إن الحوار بين الحضارة يعني أن تتبادل العلوم والمخترعات، وليس مجرد الثقافة والإعلام والآداب والفنون، وإلا كان التبادل تبادلاً محدوداً، ويفتح المجال للهيمنة الثقافية واحتلال العقل ومسخ الثقافات الأخرى.
إن الحوار لا يعني نسيان أو تجاهل التميز بين الحضارات، لكن العزلة عن التأثيرات الحضارية الأخرى أمر صعب مثله مثل التبعية أو الذوبان.
وهكذا فإن الدعوة للحوار، هي دعوة للتسامح والتعايش مع الآخرين، وإنكار لنزعات التفوق والسيطرة، وهي نظرة لقضايا المستقبل، وتعبير عن إرادة الحضارات المعاصرة لمعالجة هذه القضايا، وعن قناعتها بضرورة التعاون للنجاح في ذلك.
والسؤال: كيف نقدم حضارتنا العربية الإسلامية إلى الحضارات الأخرى؟ كيف نقدمها من غير رتوش، بسلبياتها وإيجابياتها، بأزماتها وتراجعاتها وإبداعاتها وقيمها؟ كيف نقدم رؤيتها لقضايا المستقبل: من حقوق إنسانن وسلام وبيئة نظيفة وديمقراطية وشورى وتنمية وأخلاقيات في التعامل والاقتصاد... إلخ؟
في البدء لابد من مكاشفة الذات، ومعرفة جوانب قوتها ومكامن ضعفها، واكتشاف قدراتها الحقيقية وإمكاناتها الروحية والفكرية والبشرية والمادية. وإدراك صورة هذه الذات عند الحضارات الأخرى، ولا بد بعد ذلك من تقديم فهم عقلي لعالمنا المعاصر، كما يتطلب التقديم الإجابة الواضحة عما يسمى (بالتهديد الإسلامي) للحضارة الغربية المسيحية. وتوضيح الرؤى لما يطلق عليه (الغزو الثقافي والقيمي) الغربي لمجتمعات الحضارة الإسلامية، وما هي حدود هذه الأخطار التي تدق لاستثارتها الطبول؟ وكيف يمكن إعادة صياغة صورة الآخر في إطار من التسامح الثقافي؟
إن الحضارة العربية الإسلامية غير عاجزة عن التكيف مع العصر، وتملك خبرات وقيماً رفيعة من التسامح والقدرة على التفاعل والتعايش مع الآخرين. لقد منعت الحضارة العربية الإسلامية ـ بالقول والفعل ـ إهدار كرامة الإنسان والسيطرة عليه. وأكدت ـ مثلما أكدت حضارات أخرى ـ أن كرامة الإنسان أسبق من كان انتماء وهوية حضارية، وحصانة أولية للإنسان ثابتة له بوصفه إنساناً كرمه خالقه وجعله خليفة له في أرضه. إن الاختلاف والخلاف بين الحضارات لا ينبغي لهما أن يهدرا حقوق الشعوب، إن في التعامل أو في الوجود.
إن الحوار هنا لمنع (الطائفية الحضارية) .. والمسؤولية تقع في هذا المجال على عاتق القوى الثقافية الفاعلة داخل مجتمعات هذه الحضارات، لأن هذه القوى هي الأكثر تأهيلاً وكفاءة في خلق الحوار والمحافظة على تواصله وإحداث التفاعل الإيجابي بين عناصره والبحث عما أسماه المؤرخ أرنولد توينبي (بالصفاء الروحي الإيجابي) ومعالجة الخلل في القيم والضمائر والعلاقات، ونبذ نزعات التفوق والسيطرة والهيمنة ونفي الآخر.
حوار الحضارات يمكن العالم من الاحتكام إلى العقل وإلى منطقه في كل أمور الحياة والثقافة والكون، ويدعو الإنسان لحب المعرفة وبذل الجهد من أجل العلم والعمل وعمران الكون وإحراز التقدم، فيصبح للحياة معنى حقيقي، حيث يمكن عندئذ صياغة القرن الواحد والعشرين صياغة إنقاذية، وبقيم إنسانية مشتركة.
المصدر: الاسلام والغرب