وواضح من هذا العرض التاريخي السريع أن علاقة العرب بالإسلام والمسلمين مبنية على أساس من العداوة والكراهية واستخدام كل الوسائل الممكنة لمواجهة الإسلام والمسلمين. وخلال هذا الصراع الطويل أصبح الاستشراق علماً تابعاً للقوى الغربية السياسية والدينية ولم ينفصل عنها سوى في خلال مراحل انحسار المد الاستعماري أو فشل الجهود العسكرية، ولذلك فالمواجهة الفكرية والدينية أطول عمراً واستمرارية من المواجهة العسكرية. ولم يشعر المستشرقون بحرج من علاقاتهم بالقوى السياسية والدينية في بلادهم وفي الغرب بعامة فالإسلام عدو الجميع سواءً كانوا سياسيين أم مفكرين أم سياسيين . فالمستشرق مواطن ينتمي إلى بلده ويشعر بأنه يؤدي واجبه ويعمل على تحقيق مصالحها بصرف النظر عن كون معرفته أو علمه مستغلاً من جانب القوى السياسية والدينية. فهو مواطن لا يمكن عزله عن بلده ومصالحه ولم يشعر المستشرق بحرج من هذه العلاقة خاصة في الفترات الاستعمارية الطويلة مثل فترة الحروب الصليبية التي زادت عن قرنين وفترة الاستعمار الحديث التي غطت ثلاثة قرون تقريباً"."
وأود أن أضيف إلى هذا الارتباط بعض الحقائق التي أصبحت معروفة عن ارتباط الاستشراق أو الدراسات العربية الإسلامية بالدول الغربية التي من أهدافها استمرار الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي في المجالات المختلفة: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وأبدأ ببريطانيا فهي التي احتلت أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي فقد اقترح أحد أعضاء البرلمان البريطاني عام 1916م إنشاء معهد للدراسات العربية والإسلامية في بريطانيا. فقد كلفت الحكومة البريطانية لجنة حكومية عام 1947م برئاسة الايرل سكاربرو لدراسة أوضاع الدراسات العربية الإسلامية في الجامعات البريطانية، وتقديم المقترحات اللازمة لاستمرار هذه الدراسات وتطويرها. وقد أعدت اللجنة تقريراً مؤلفاً من حوالي مائتي صفحة عدّه الدكتور خليق نظامي دستور الاستشراق الحديث. حيث أوضحت استمرار حاجة بريطانيا لمعرفة الشعوب العربية الإسلامية والحاجة إلى متخصصين في هذا المجال.
وقامت الحكومة البريطانية بتأليف لجنة أخرى عام 1961م برئاسة السير وليام هايتر لدراسة أوضاع الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات البريطانية وقامت اللجنة بتمويل من مؤسسة روكفللر بزيارة عدد من الجامعات الأمريكية والكندية للإفادة من التجربة الأمريكية والكندية في هذا المجال. وأصدرت تقريراً ضخماً ضمنته توصيات كثيرة منها ضرورة استمرار هذه الدراسات وتخصيص ميزانيات لدعم هذه الدراسات، واقتراح إنشاء أقسام علمية جديدة.
أما في الولايات المتحدة فإنها بعد الحرب العالمية الثانية وجدت أنها يجب أن تحل محل النفوذ البريطاني ولمّا لم تجد العدد الكافي من المتخصصين في الدراسات العربية الإسلامية فقد عرضت على عدد من كبار المستشرقين الأوروبيين العمل في الجامعات الأمريكية ومن هؤلاء على سبيل المثال هاملتون جيب الذي أسس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد ، ونال جيب مكانة رفيعة في هذه الجامعة. كما استقدمت جوستاف فون جرونباوم بجامعة كاليفورنيا بلوس انجلوس، وبرنارد لويس الذي عمل عدد من السنوات أستاذاً زائراً حتى انتقل كلياً إلى جامعة برنستون عام 1974.
وأصدرت الحكومة الأمريكية مرسوماً بتوفير مبالغ ضخمة لدعم مراكز دراسات الشرق الأوسط في عدد من الجامعات الأمريكية ( أربع وعشرين جامعة ) من بينها جامعة برنستون وجامعة نيويورك وجامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس وفي بيركلي وجامعة انديانا في بلومنجتون وغيرها. وما تزال هذه الجامعات منذ الخمسينيات وحتى هذا العام 1997 تتلقى الدعم الحكومي الأمريكي. ولم يقتصر الدعم الحكومي الأمريكي على هذه الجامعات فهناك معاهد ومراكز بحوث كثيرة تتلقى الدعم المباشر من الحكومة الأمريكية. وبالتالي فان الغالبية العظمى من الباحثين (المستشرقين) يعملون لدى الحكومة الأمريكية. ( [3] )
وفي عام 1985 عقدت لجنة الشؤون الخارجية جلسات استماع لعدد كبير من الباحثين في مجال الدراسات العربية الإسلامية ونشرت محاضر الجلسات في كتاب بلغت عدد صفحاته أكثر من أربعمائة صفحة وشارك فيه عشرات الباحثين المتخصصين في هذا المجال. ( وقد قامت مجلة المجتمع الكويتية بنشر معظم هذا التقرير في أربع وخمسين حلقة.قبل احتلال العراق الكويت) ( [4] )
وقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تمتنع ظاهراً الإفصاح عن صلتها بهذه الدراسات حتى إنها عندما اكتشف صلتها بمؤتمر علمي بجامعة هارفارد قبل عدة سنوات قام ناداف سافران الأستاذ بجامعة هارفارد والمسؤول عن تنظيم المؤتمر بتقديم استقالته وتم إلغاء المؤتمر. ولكن الأمر تغير مع ازدياد نفوذ الجماعات الإسلامية في الدول العربية الإسلامية فأصبحت هذه الوكالة تتبنى عقد ندوة شهرية للمتخصصين في الدراسات العربية الإسلامية (وبخاصة الأصولية) لمساعدة الحكومة الأمريكية في التعامل مع هذه الظاهرة.