فهرس الكتاب

الصفحة 10699 من 27364

علينا أن نتذكر هذه الجملة ونصف الجملة، لأنها مقولة نايبول الرئيسة التي ينطق منها لمخاطبة العالم:"الغرب هو علم المعرفة والنقد والتقنية، والمؤسسات الفاعلة، فيما يعاني الإسلام من الإحباط والغضب والتأخر والاتكال. ويرى أمامه قوة جديدة لا يعرف كيف يسيطر عليها. الغرب يقدم الخير إلى الإسلام من الخارج، لأن الحياة التي جاءت إلى الإسلام لم تأت من داخله"وهكذا، في جملة واحدة، يختزل نايبول حياة بليون مسلم، ويلقي بها جانبا، علة الإسلام السياسي الأصلية كما يرى تكمن في بدايته - أنها العلة التي سرت في تاريخ الإسلام، وهي أنه لم يقدم حلا سياسيا أو عمليا للقضايا السياسية التي أثارها، أنه لم يقدم سوى الإيمان، ولم يقدم سوى النبي، الذي كان سيعطي كل الحلول، إلا أنه توفي، هذا الإسلام السياسي هو ليس سوى الغضب والفوضى، إن كل الأمثلة التي يقدمها نايبول، كل الأشخاص الذين التقى، هم من القائلين بالنقيضة بين الإسلام والغرب، وهي النقيضة التي افترضها أصلا وصمم على أن يراها في كل مكان، من هنا فالكتاب الأول في النهاية مشجر مليء بالتكرار.

لكن لماذا يعود بعد نحو عشرين ليقدم كتابا ثانيا يضارع الأول في الإطالة والإملال؟ السبب الوحيد الذي أجده هو أنه يعتقد أن الإسلام دين العرب، وكل مسلم غير عربي فهو مجرد"معتنق"للدين. من هنا فإن جميع هؤلاء المعتنقين أي الماليزيين والباكستانيين والإيرانيين والإندونيسيين وغيرهم، يعانون من فقدان الهوية الأصلية أو كبتها. أي أن الإسلام ديانة وافدة تعزلهم عن تقاليدهم وتتركهم في حال دائم من الـ (( بين بين ) ). ويحاول نايبول في كتابه الجديد توثيق مصير (( المعتنقين ) )الذين خسروا ماضيهم ولم يقدم لهم دينهم الجديد سوى الضياع والمزيد من اللا كفاءة المضحكة - كل ذلك نتيجة تحولهم إلى الإسلام. إذا وافقنا على هذا المنطق السخيف يمكن أن نقول إن الكاثوليكية لا تصلح إلا لسكان روما، ونعتبر أن كل من عداهم من الكاثوليك، أي الإيطاليين خارج روما والأسبان والأمريكيين اللاتينيين والفيليبينيين.... الخ، مقطوع عن تاريخه وتقاليده، كما أن جميع الأنغليكانيين خارج إنكلترا هم من المعتنقين ولذا، فمثلهم مثل المسلمين من غير العرب، ليس أمامهم سوى اللاجدوى وتقليد الغير.

يقع ما بعد الإيمان في أربع مئة صفحة، تقوم كلها على هذه"النظرية"الغيبية والمهينة. السؤال هنا ليس عن صحة أو خطأ الفكرة، وإنما عن كيف أمكن لرجل بذكاء وموهبة نايبول تأليف كتاب على هذه الدرجة من الحمق والإملال، يكرر إلى ما لا نهاية قصصا تعبر عن فكرة سقيمة هي أن غالبية المسلمين هي من الذين انقطعوا عن تاريخهم باعتناق الإسلام وكتب عليهم، تبعا لذلك، مواجهة مصير واحد متشابه. المسلمون من غير العرب متحولون عن هويتهم وليس لهم إلا أن يعيشوا تاريخا مزيفا.

ما أراه هو أن نايبول في مرحلة ما من حياته، تعرض لحادث فكري خطير. وأن هوسه العدائي بالإسلام أدى به في شكل ما إلى التوقف عن التفكير، أو إلى ما يشبه الانتحار الفردي الذي يجبره على تكرار المقولة نفسها إلى ما لا نهاية. إنها ما أعتبره كارثة فكرية كبرى فقد فيها نايبول الكثير من قدراته. إذ أصبحت كتاباته مكرورة مضجرة، وضاعت مواهبه، ولم يعد قادراً على التفكير السليم. إنه الآن يعتاش على سمعته، التي توهم مراجعي كتبه أنهم لا يزالون أمام كاتب عظيم، فيما الحقيقة أنه ليس الآن سوى شبح لذلك الكاتب. المؤسف أكثر أن كتابه الأخير عن الإسلام سيعتبر تقويما رئيسا لديانته عظيمة، وسيؤدي ذلك إلى المزيد من الأذى للمسلمين، وإلى المزيد من التوسع والتعميق للهوة بينهم وبين الغرب. ولن يستفيد أحد شيئا سوى الناشرين الذين سيبيعون الكثير من الكتب، ونايبول نفسه الذي سيحصل على الكثير من المال.

-الحواشي:

* الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت