فهرس الكتاب

الصفحة 10751 من 27364

و ظهر هذا الآخر الداخلي أيضاً في مجال الأدب وفي الثقافة وفي التاريخ وفي علم الاجتماع وفي الفكر السياسي والاقتصادي . ففي مجال الأدب تبنى بعض هؤلاء نظريات الحداثة الغربية التي تنادي بالقطيعة مع التراث ، بل إنها تسعى إلى"تحطيم السائد والموروث ، وتفجير اللغة"وأما ما يتذرعون به من التجديد في الأشكال الأدبية للشعر والنثر فإنما جزء من الخداع الذين أتقنوا فنه، وإلاّ فإن الحداثة تتضمن نظرة متكاملة إلى الحياة والكون بعيداً عن الدين وبخاصة الدين الإسلامي. ومن الأدلة على ذلك أنهم حين أصدروا مجلة"أبواب"كانت في أول أعدادها تعلن الحرب على ما أطلقوا عليه الأصولية حيث يقول في ذلك محمد نور الدين:"أبواب تفتح أبواباً للتحديث والديموقراطية ( على النسق الغربي، وهل هناك نسق عالمي آخر ؟) وتحمل عصا غليظة تهش بها الأصولية والأصوليين ." ( [45] )

وفي المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين تحدث يوهانس يانسن Johannes Jansen تحت عنوان (فشل المشروع الليبرالي ) تناول فيه بالحديث فشل النخبة العلمانية في التأثير في المجتمع المصري بخاصة وفي العالم العربي بعامة ، وأرجع ذلك إلى أن هؤلاء يعيشون في بروج عاجية وأن الحاجز كبير بينهم وبين عامة الشعب. وقد ذكر يانسن في ملخص موضوعه أن كتابات النخبة من أمثال حسن أحمد أمين ومصطفى أمين وفؤاد زكريا ونصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد العشماوي التي تركز على الهجوم على"الأصولية"الحديثة تجد رواجاً ولهم قراء كثيرون لكنهم فشلوا في تحريك الجماهير. ( [46] ) وفي المؤتمر نفسه تحدث نبيل عبد الفتاح و هاله مصطفى -وهما من مؤسسة الأهرام- عن الحركات الإسلامية (الأصولية) وموقفها من الديموقراطية الحديثة فحشدا كثيراً من الاتهامات والدعاوى والزعومات ضد هذه الحركات دون تمييز بين حركات تدعو إلى تحكيم شرع الله وتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع ميادين الحياة، وبين تلك التي اتخذت خط العنف مهما كان حجمها صغيراً. وأصر المتحدثان على أن الحركات الإسلامية لا يمكن أن يكون لديها القابلية للقبول بالتعددية أو القبول بمعطيات الحضارة الغربية . ( [47] ) ولاشك أن المحاضرين ينطلقان من منطلق العداوة للحركات الإسلامية فلم يكن النقاش حول مواقف الحركات الإسلامية عقلانياً أو منطقياً . كما أن إدارة المؤتمر ربما تعمدت أن لا يكون في الحضور من يمثل وجهة نظر الحركات الإسلامية ليناقش مثل هذه المفتريات. ومن الأمثلة على هذه الآراء قول هالة مصطفى إن قبول الإسلاميين بالديموقراطية إنما هو قبول بإجراءات الديموقراطية أما الاتجاهات الفكرية والأيديولوجية لهذه الحركات فبعيدة جداً عن الجوهر التعددي للديموقراطية. كما زعمت الباحثة أن الإسلاميين يسعون إلى تأسيس الدولة الدينية التي لا يمكن أن تقبل بأي خيار آخر بعد أن يضفوا هالة من الشرعية لا تسمح بوجود خيار آخر. وكأن هالة مصطفى لم تقرأ التاريخ الإسلامي الذي يعد مضرب المثل في التسامح مع الأديان الأخرى منذ نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة حيث كتب الرسو صلى الله عليه وسلم الصحيفة بينه وبين يهود يضمن لهم فيها حرية الاعتقاد وحرية التصرف في ممتلكاتهم. كما لم يعرف التاريخ الإسلامي اضطهاد أصحاب الديانات الأخرى كما عرفتها أوروبا في حركة الإصلاح الديني وفي محاكم التفتيش في أسبانيا.

-الحواشي:

[1] -السيد محمد الشاهد."الاستغراب"في مرآة الجامعة ، عدد 120 ، 20 جمادى الأولى 1410.

[2] -المرجع نفسه.

[3] -السيد محمد الشاهد."المواجهة حضارية.. والنقد لا يكفي"، في المسلمون. عدد 270، 11-17رمضان 1410، 6-12أبريل 1990.

[4] -حنفي ، مرجع سابق ،ص 24.

[5] - المرجع نفسه ،ص 28.

[6] -المرجع نفسه ، ص 55-65. وأذكر أن أستاذ مادة (التاريخ العربي الحديث ) في الدراسات العليا في قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز كان يصرح بأن أي بحث تاريخي لا يمكن أن يكون مقبولاً ما لم يتضمن بعض المراجع الأجنبية.

[7] مازن مطبقاني: الغرب في مواجهة الإسلام. ( المدينة المنورة: مكتبة ابن القيم، 1409.) ص 78.ظهرت قريباً طبعة ثانية من هذا الكتاب عن مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالمدينة المنورة.

[8] -سورة المائدة ، أية 8.

[9] -مازن مطبقاني."بل لابد من دراسة الغرب ونقده."في المدينة المنورة، عدد 11256،13شعبان 1414 (24يناير1994) ومن ذكر مزايا الآخر أو الاعتراف بما له من حسنات ما ورد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في وصف الروم بقوله:"إنّ فيهم لخصالاً أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، و أوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ، ويتيم ، وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك"رواه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن وأشراط الساعة.

[10] -الشرق الأوسط ، عدد 5667، 25ذو الحجة 1414 ( 4يونيه 1994)

[11] -المرجع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت