فهرس الكتاب
وانتقالنا من ذات موضع الدرس إلى ذات دارس إنما هي خطوة في الطريق لنأخذ مكاننا الصحيح في هذا العالم ، وذلك من أجل الوصول إلى حوار هادف وبنّاء مع الغرب لا بد أن نتفق فيه على"المصطلحات والمفاهيم والدلالات وذلك لتحرير الغرب من خطر مزعوم." ( [110] ) وهذا ينتقل بنا إلى ما قاله فؤاد صادق مفتي عن دور"المدافع"وممارسة"رد الفعل"على كل فعل يصدر عن الآخر دون أن يكون لنا استراتيجية واضحة للتفاعل مع هذه التطورات المحتملة والتأثير فيها قبل أن ترغمنا على التأثر بها أو"الإذعان"لنتائجها بكل سلبياتها." ( [111] ) "
يجب أن ننظر إلى الآخر (الغرب) على أنه أفاد من معطيات الحضارة الإسلامية والحضارات السابقة وبنى مؤسسات فاعلة في شتى المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والعسكرية والعلمية وباستطاعتنا أن نفيد من تنظيمه لهذه المؤسسات فائدة عظيمة إذا ما قمنا بدراستها دراسة واعية .
أما الظواهر الاجتماعية التي قدمتها في الصفحات السابقة فقد غلب عليها الطابع السلبي وهو ليس مقصوداً وذلك أن الغرب كما ذكر مؤرخوه وفلاسفته يمر بطور التراجع والانحدار فلا بد للسلبيات أن تطغى وأن تكون أظهر من الإيجابيات. ومع ذلك فثمة إيجابيات يعرفها من عاش في الغرب ويدركها من يرى استمرار هيمنة الغرب في المجالات السياسية والعسكرية والثقافية. ومن هذه الإيجابيات أن العلم مازال يحتل مكانة بارزة لديهم فهذه الجامعات الغربية تحتل مكان القمة في الجامعات العالمية ولديهم مراكز البحوث والمعاهد العلمية التي ما تزال تغري أبناء العالم النامي (الثالث) بالسعي للالتحاق بها والدراسة فيها والعمل فيها تاركين أوطانهم التي أنفقت الكثير عليهم مضحين بالسكنى في الوطن قريباً من الأهل والأحباب.
بينما نحن في العالم الثالث ( النامي) لدينا الكثير من حوافز لاحترام العلم والعلماء وتقدير دور العلماء كما توضح ذلك النصوص المقدسة ومنها قول الله عز وجل: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ( [112] ) ويعطي الإسلام العلم مكانة رفيعة حتى في الحرب ومن ذلك قول الله تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} ( [113] )
والحضارة الغربية مهما كانت إيجابياتها وتفوقها لكنها كغيرها من الحضارات والغرب كغيره من الشعوب والأقوام يخضع لسنن الله عز وجل . فمهما زعم الزاعمون أن الغرب يمارس النقد الذاتي وهو الذي يعطى لهذه الحضارة حيويتها و"ديناميتها"وكما يقول أحدهم:"وأن هذا يكذب سلفاً كل النبوءات حول وشكان موتها ." ( [114] ) فإن هذا الزعم لا سند له من الواقع والتاريخ . فإن سنة الله ماضية فإذا بلغ انحرافهم وفسادهم وضلالهم الدرجة التي توجب غضب الله والتدمير فلن يرد بأسه سبحانه وتعالى مهما ملك الغرب من قوة * ، فهؤلاء الفراعنة الذين بنوا الأهرامات التي ما زال العلم الحديث يتعجب كيف استطاعوا نقل تلك الأحجار الضخمة ولم يكن لديهم الرافعات الهيدروليكية أو غيرها من التقنية الحديث، وهذه مدائن صالح ذات القصور في الجبال، بأي وسيلة نحتوا تلك الجبال ؟ ونحن نؤمن بقول الله عز وجل { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد بطشاً} ( [115] ) وقول الله سبحانه وتعالى { فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين} ( [116] ) وقول الله تعالى: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ( [117] )
تناولت فيما سبق تعريف الأخر، وأوضحت الموقف الإسلامي من الآخر من خلال آيات القرآن الكريم واهتمامه أولا بمعرفة الذات وتحقيق الذات ثم الانطلاق لمعرفة الآخر على أسس شرعية، وأفدت في ذلك كثيراً من محاضرة الدكتور جعفر شيخ إدريس التي ألقاها في الرياض في شهر شوال من هذا العام.
وأوضحت حرص الغرب على معرفة الذات وانطلاقه لمعرفة الأخر، ومن هذا الآخر العالم العربي الإسلامي، وأشرت إلى تأخرنا في الوقت في معرفة الذات بله معرفة الأخر.
وفي القسم الثاني اخترت بعض الظواهر الاجتماعية وحرصت أن تكون مراجعي ما صدر عن الغرب بنفسه، وكم كان يهمني أن أنقل إيجابيات من هذه الظواهر لولا أن المصادر التي بين يدي تركز على السلبيات، ومع ذلك فقد قدمت بعض الإيجابيات.
وهذا الموضوع في حقيقته يحتاج إلى جهد أكبر ووقت أوسع، فقد تركت كثيرا من المادة العلمية التي توفرت لدي حيث لم أجد متسعا لذكرها كما أن هذا الموضوع يستحق أن يكون موضوع عدد من الرسائل العلمية. والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
أولاً: العربية
المصادر
1-القرآن الكريم
2-كتب السنة المطهرة.
المراجع: كتب ومقالات
1-أحمد، محمد سيد."الحضارة الغربية لا تعترف بغيرها ، ولا تتيح الحوار معها."في صحيفة الرياض.ع (10032) 21رجب 1416 (21/12/1995) .
2-إدريس ، جعفر شيخ."موقفنا من الحضارات والأديان الأخرى:رؤية شرعية."في الشرق الأوسط.ع ( 6311و6312) في 9و10 مارس 1996. ونشرت المحاضرة ضمن مطبوعات الحرس الوطني.