فهرس الكتاب
وتناولت الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) هذا الموضوع بأسلوب مختلف حيث جاء في كتابها القيم (تراثنا بين ماض وحاضر) عن المستشرقين قولها (وعلماء الاستشراق بشر مثلنا، يتعصبون لدينهم وقومياتهم مثلما نتعصب لديننا وقوميتنا . وما ينبغي أن نلومهم على هذا التعصب أو نغضب لعجزهم عن التجرد من أهوائهم، وإنما نحن هنا بصدد قضية علمية وتاريخية، تلزمنا بأن نكون على وعي بما لابس عمل أكثر المستشرقين من انحراف لم يكن منه بد، بحكم ما استهدف الاستشراق في نشأته الأولى من خدمة الكنيسة."(6) "
وتضيف المؤلفة قولها:"وليس عليهم بأس في أن يقولوا فينا ما يقولون، متى كانت أقوالهم معبرة عن رأي لهم أو صدى لاستهوائهم بما راج في بيئاتهم من أقاويل عنّا، لكن البأس كل البأس أن يحمل"البحث العلمي"وزر هذه الأهواء فتخرج بحوث لهم مشحونة بأباطيل يزعمون أنها مما هدى إليه استقراؤهم لتراثنا، ويفرضون له حرمة علمية حين يسوقون وشواهد من نصوص في التراث انحرف بها الهوى والتعصب، فضلوا ضلالاً بعيداً". (7)
ولعل نموذج الدكتورة عائشة عبد الرحمن لا يتكرر في محاولة الفهم العميق للاستشراق والاعتذار عنهم بأنهم يخدمون أهدافهم القومية والدينية فنعود إلى كتّاب آخرين فنحد باحثاً آخر يرجع نشأة الاستشراق إلى الحروب الصليبية فيذكر أن من أخطر نتائجها"الحرب العلمية والفكرية التي شنّها المستشرقون على المسلمين وظهور عدد من تلامذتهم والمعجبين بأفكارهم من المسلمين ممن أخذوا يرددون آراءهم ويروجون لمفترياتهم." (8)
وتظهر الحماسة في كتابة الشيخ محمد الغزالي وكيف لا وهو في معرض الدفاع عن الشريعة ضد مطاعن المستشرقين ( وهذا عنوان كتابه) فيكتب قائلاً:"إن الاستشراق كهانة جديدة تلبس مسوح العلم والرهبانية في البحث ، وهي أبعد ما تكون عن بيئة العلم والتجرد، وجمهرة المستشرقين مستأجرين لإهانة الإسلام وتشويه محاسنه والافتراء عليه." (9) ويزيد الأمر توضيحاً عند حديثه عن المستشرقين الأمريكيين بقوله:"والأمريكيون منذ دخلوا ميدان التبشير والاستشراق زادوا القوى المناوئة للإسلام شراسة وإصراراً وأمدوها بسيل موصول من المال والرجال فهي لا تني تواصل هجومها العلمي والعملي ودعايتها الماهرة ، ونحن نعرف أن من حق غيرنا التمسك بدينه والدعوة إليه واستقبال الداخلين فيه ، إلاّ أننا نقيّد هذا الحق بشرط واحد أن يكون بوسائل شرعية وصريحة. أما اختلاس عقائد الآخرين بالرغبة، أو الرهبة ، واستباحة الغش والكذب والمكر والرشوة فذلك ما نقف له بالمرصاد." (10)
ويعد باحث مسلم يعيش في بريطانيا الاستشراق ضمن القوى التي حاولت تدمير حضارات الأمم الشرقية بقوله:"ويجب أن نتذكر بأن الاستشراق لم يكن هو الاتجاه الوحيد الذي حاول أن يدمر حضارات الأمم الشرقية فهناك مجال آخر تعاون تعاوناً شديداً مع الاستشراق لخدمة الأهداف الاستعمارية ألا وهو علم الإنسان الذي غدا ابناً آخر للإمبريالية." (11)
ولم يغفل الباحثون المسلمون نظرة الغربيين لهذا المجال المعرفي فذكر محمد أحمد دياب أن الاستشراق"علم له أصوله ومقوماته وخططه وأهدافه ، ولا ننكر ما قام به المشتغلون به من بحوث ودراسات في الميادين العلمية المختلفة وفي العلوم الإسلامية بخاصة كانت بحق لها دورها الإيجابي وقيمتها العلمية كما كان لها أيضاً دورها السلبي." (12) ولكنه مع ذلك يرى أن"علم الاستشراق إنما هو حرب الكلمة التي شنها الغرب المسيحي على الشرق الإسلامي منذ القرن الثامن عشر وما زال يستخدمها ضدنا حتى الآن ، وإن لبست أثواباً مختلفة على مر العصور تحت شعار الموضوعية والمنهجية كي يحقق أهدافه." (13)
ويتنبه دياب إلى نظرة الغربيين أنفسهم إلى هذا المجال فيذكر أنه عندهم"مادة علمية معترف بها عالمياً ويكاد يكون ممثلاً في كل جامعة من الجامعات الغربية مع وجود أعداد كبيرة من الكوادر التخصصية في الميادين الاستشراقية." (14)
وكما ذكرنا أن الاستشراق عند كثير من الباحثين المسلمين إنما هو أسلوب من أساليب الغزو الفكري فقد كتب محمد عبد الفتاح عليان حول ذلك قائلاً:"ومن بين أساليب الغزو الفكري كان الاستشراق مغلفاً خطورته بشكل علمي واضعاً سمّه في عسل المنهج، والجديد فيه، غير أن خلق المسلم يقتضينا أن نقرر أن استغلال الاستعمار للاستشراق ليس معناه أن الاستشراق كله جملة وتفصيلاً دار في هذا الفلك، إذ لم نعدم من أدى به إنصافه إلى بيان الحقيقة ، ولئن كان هؤلاء قد نقلوا من حقيقة الحضارة الإسلامية أصالتها وأفادوا بها الغرب في نهضته فإن هذا قد اعترف به منصفون منهم وإن قلّوا." (15)