فهرس الكتاب
وقد أدرك علماء المسلمين منذ القرون الأولى أهمية معرفة الأمم والشعوب الأخرى ليس فقط من النواحي العقدية ولكن أيضاً من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية وتعرفوا إلى الحضارات الأخرى وأخذوا منها ما ناسبهم وتركوا ما خالفهم. وكان من أهم الكتابات في المجالات العقدية ما كتبه ابن حزم في الملل والنحل وما كتبه البغدادي في الفرق وما كتبه الأشعري في مقالات الإسلاميين وما كتبه بعد ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم وغيره وما كتبه ابن قيم الجوزية كذلك. ويمكن أن نضيف إلى هذه الكتابات ما كتبه الجغرافيون العرب في وصف البلدان المختلفة.
ولما كان العصر الحاضر وبدأ احتكاك المسلمين بالاستشراق من خلال بدأ البعثات العلمية إلى دول أوروبا المختلفة والتي بدأت في فرنسا ثم غيرها من الدول الأوروبية ثم جاء العصر الحاضر وانطلقت البعثات إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتجمع مئات الآلاف من الطلاب العرب والمسلمين هناك. كما كان للاحتلال الأجنبي لديار المسلمين دور في التعرف إلى الاستشراق وكتابات المستشرقين حول الإسلام والمسلمين.
ولكن دراسة الاستشراق بدأت من علماء الشريعة المسلمين الذين أخذوا على عاتقهم الذب عن هذا الدين فكان زعماء الحركات الإصلاحية وأعلام العلماء المسلمين هم الذين تصدوا للهجمة الاستشراقية على عقيدة هذه الأمة وتاريخها وتراثها الفكري والثقافي والحضاري. وبرز من هؤلاء كثير منهم الدكتور مصطفى السباعي ومحمد البهي وعبد الحميد بن باديس وغيرهم كثير.
وقبل حوالي عشرين سنة ظهر كتاب إدوارد سعيد حول الاستشراق فكان هذا إيذاناً بأن ثمة آخرون من خارج العلوم الشرعية يمكن أن يكتبوا في نقد الاستشراق والتعرف إليه عن قرب. فأحدث كتاب إدوارد سعيد ضجة في الغرب كما تناوله علماء المسلمين بالدراسة والنقد. فأصبح من اللافت للانتباه أن دارسة الاستشراق لم تعد مقتصرة على علماء الشريعة والدراسات الإسلامية المختلفة كالفقه والحديث والتفسير واللغة العربية فقد انضم إلى هؤلاء في السنوات الماضية أساتذة في مجال اللغة الإنجليزية وعلم الاجتماع والاتصالات والعلوم السياسية. ولعل أبرز من كتب حول الاستشراق من خارج التخصص في الدراسات الإسلامية إدوارد سعيد المتخصص في الأدب الإنجليزي المقارن. وهذا كتاب عدنان الوزان كذلك وهو متخصص في اللغة الإنجليزية، كما كتب عن الاستشراق الدكتور أبو بكر باقادر وهو متخصص في علم الاجتماع، أما في العلوم السياسية والإعلام فقد كتب الدكتور جمال الشلبي عدة بحوث تناول فيها الاستشراق المعاصر (19) .
وقد وجه النقد إلى الكتابات الإسلامية بأنها تنطلق من العداء للاستشراق كما في كتابات أنور الجندي أو بعض الكتابات الأزهرية أو غيرها كتلك التي أشرنا إليها في بداية الموضوع. وقد أفاض فؤاد زكريا في نقد ما أسماه الاتجاه الديني في نقد الاستشراق حتى إنه أخذ على بعض الباحثين"الإسلاميين"أنهم لا يعرفون التوثيق العلمي في كتاباتهم أو أن أمانتهم العلمية ليست كما ينبغي. وقد يكون محقاً في بعض هذا النقد. ولكن الحقيقة أن علماء الشريعة المسلمين من المفترض أنهم ينطلقون في نقدهم للاستشراق أو للغرب عموماً من قوله تعالى (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله)
كما أن السيد محمد الشاهد تناول هذه القضية في بحث له حول نقد الاستشراق في الكتابات الإسلامية المعاصرة ولعله أضاف إن كثيراً من الكتابات التي تتناول الاستشراق لا تعرف من الاستشراق إلاّ بعض الكتابات القليلة للمستشرقين التي تمت ترجمتها إلى اللغات الإسلامية فتأتي كتاباتهم نقلاً عن بعضهم البعض. فما أكثر الكتابات التي انتقدت جولدزيهر ومعظمها إن لم يكن كلها تنتقد ما ترجم لهذا المستشرق للغة العربية أما ما ترجم له إلى اللغة الإنجليزية أم ما كتبه في لغته الأصلية فإن هذه الكتابات لا تكاد تكون موجودة. كما انتقد هؤلاء في عدم معرفتهم بجهود المستشرقين المعاصرين في التعريف بالإسلام ونقد النصرانية وضرب كثيراً من الأمثلة على ذلك من الاستشراق الألماني المعاصر. وللدكتور قاسم السامرائي ملاحظات شبيهة بحكم احتكاكه بالاستشراق الهولندي ومعرفته بهم معرفة وثيقة.
ولعل الكتابات في العصر الحاضر تناولت العلاقة بين الإسلام والغرب أو العالم العربي والغرب وبخاصة في ضوء ازدياد قوة وسائل الإعلام وانتشار نفوذها حتى أصبحت كما ذكر الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش في كتابه القيم ( الإسلام بين الشرق والغرب) أكثر خطورة من الدكتاتوريات السابقة لقدرته الطاغية على التأثير في الجماهير. ولعل هذا ما يفسر لنا دخول علماء السياسية والاتصال لهذا المجال الحيوي. فهذا غسان سلامة ( المتخصص في العلوم السياسية ) يرى أن انتشار مراكز البحث والمعاهد وأقسام الدراسات الشرق أوسطية والمكتبات إنما هي"نوع من الامتداد الطبيعي والمنطقي لظاهرة الاستشراق وأطلق عليها"مرحلة الاستشراق الجديدة." (20) "