فهرس الكتاب

الصفحة 11338 من 27364

وما كان مثل ذلك التحول الخطير والعميق ليحدث في تلك المجتمعات ولو دعا الاشتراكيون إلى هذه النظرية وبشروا بها ألف سنة؛ لولا وصولهم إلى السلطة وقيادتهم للدولة، وكذلك كان حال الثورة الأمريكية التي لم تر مبادئها النور ، ولم تصبح واقعاً يعيشه الشعب الأمريكي إلا بعد الثورة وقيام الدولة ، وهذا ما حصل لنظرية الفقيه (الولي) التي لم تصبح واقعاً يعيشه الشيعة (الجعفرية) في إيران إلا بعد الثورة الشعبية الإيرانية سنة 1979م ، لتقوم لهم أول دولة بعد قرون من انتظار (المهدي) وليبدأ الفقيه (الجعفري) بتنظيم شؤون المجتمع، وصياغة حياته، وحل مشكلاته ونوازله التي لا عهد له بها وفق أحكامه وتصوراته، وما كان ذلك ليتحقق لقادة تلك الثورة وأصحاب تلك النظرية الحديثة لولا إدراكهم للسنن الإلهية الاجتماعية في تغيير واقع المجتمعات، وهذه قاعدة لا تتخلف أبداً ولا تحابي أحداً، فلم يعرف تاريخ الأمم في ماضيها وحاضرها حركة اجتماعية سياسية استطاعت الوصول إلى تحقيق حلمها وإقامة مشروعها بغير هذا الطريق، ومن هنا ندرك جانباً من جوانب المشكلة التي يعيشها المسلمون منذ سقوط الخلافة ودخول الاستعمار.

لقد ضل أكثر علمائهم ودعاة الإصلاح فيهم عن هذه السنن الإلهية الاجتماعية التي جاءت بها الهدايات القرآنية وأكدتها التجارب الإنسانية وظل أكثرهم بعيداً عن واقع الأمم المعاصرة ومعرفة أسباب نهضتها وقوتها وتطورها، بينما يعيش العالم الإسلامي -والعربي على وجه الخصوص- تخلفاً خطيراً، حتى جاءت مجتمعاته ودوله في أدنى مستويات التنمية والحرية وحقوق الإنسان؛ بل و في جميع مجالات الحياة، كما جاء في آخر تقارير الأمم المتحدة عن التنمية في دول العالم العربي، ومع ذلك لا يزال المصلحون يظنون أن بصلاح الأفراد يتحقق الإصلاح العام، وأنه كما تكونون يولى عليكم، وأن المستقبل لهذا الدين، وما على الدعاة إلا الاستمرار بالدعوة إلى الله وتربية الأجيال، ونشر العلم وإقامة المشاريع الخيرية، وترقب النصر!

ولا شك في أهمية كل ذلك، وأنه طريق إلى مرضاة الله وجنته؛ إلا أنه لا يكون عادة، و لن يكون أبداً طريقا إلى تحقق نصرته، و إقامة دولته لمخالفة ذلك لسننه الاجتماعية، وهدايته القرآنية في أسباب قيام الدول، وأسباب سقوطها .

إن الدعوة الإسلامية المعاصرة بجماعاتها وتجمعاتها وعلمائها ودعاتها تملك من الطاقات والإمكانات ما لم يتوفر للحركات الإنسانية الإصلاحية الأخرى كالثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية، والثورة الروسية ...الخ، كما أنها بذلت من الجهد وقدمت من التضحيات منذ سبعين سنة إلى يومنا هذا ما لم تبذل مثله الحركات

الأخرى، ومع ذلك نجحت هذه في الوصول إلى تحقيق أهدافها، وإقامة مشروعها، بينما أخفقت الدعوة الإسلامية في الوصول إلى هدفها؟!

لقد تنكبت الدعوة الإسلامية المعاصرة عن السنن الإلهية الاجتماعية المؤدية إلى الهدف، ولم تكتف بذلك؛ بل دعت إلى مفاهيم وعقائد تحمل في طياتها بذور فنائها كحركة إصلاحية من حيث تظن أنها بذور حياتها ونمائها، وفشلت حتى في معرفة أسباب إخفاقها فلجأت إلى تبريره تارة بدعوى أن هذا من الابتلاء الذي لا بد منه لكل دعوة، وأنه لا بد من الاستمرار في الدعوة إلى الله والصبر على الأذى وترقب النصر؟! وتارة بتعليق النصر على شروط يستحيل عادة تحققها كضرورة عودة الأمة كلها إلى دينها، وأنه كما تكون الأمة يولى عليها، وهو ما يصادم حقائق التاريخ وشهادة الواقع؛ بل و يصادم سنة الله في ظهور الإسلام نفسه الذي بدأ غريبا، وسيعود كما بدأ، فلم ينتظر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل إقامة دينه ودولته إيمان أهل مكة كلهم به، ولا اتباع العرب قاطبة له؛ بل سعى إلى تحقيق هدفه وهو في مكة فكان يعرض نفسه على من ينصره، كما في قصته مع بني شيبان الذين أدركوا هدفه، وعرفوا مقصده فقالوا له:"إن هذا الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، وإن"

كسرى قد أخذ علينا عهداً أن لا نؤوي محدثا، فإن أردت أن نمنعك مما يلي العرب فعلنا، فقال لهم:"ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق إلا أن هذا الدين لا يصلح إلا من أحاطه من جميع جوانبه"فقد أدرك بنو شيبان أنه يريد إقامة دولة تذود عن هذا الدين وتقاتل دونه، فلما جاء الأنصار بايعهم البيعة الأولى على الإيمان بالدين، وبايعهم الثانية على إقامة الدولة بالسمع والطاعة له، والذود عنه، و قاتل بمن أطاعه -وهم عصابة قليلون، ومن عصاه هم عامة العرب- أخذاً منه صلى الله عليه وسلم بالسنن الإلهية الاجتماعية في أسباب ظهور الأديان وقيام الدول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت