فهرس الكتاب
ومن وعى التاريخ في صدره *** أضاف أعماراً إلى عمره
وكما قال شوقي:
مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم *** كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا
أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ *** يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا
وكان يحفظ للأستاذ وليد الأعظمي ويردد:
إذا قامت الدنيا تعد مفاخراً *** فتاريخنا الوضاح من بدر ابتدا
ويتساءل: هل هذا يعني إغماض العين عن تاريخ الإنسانية بما فيه من عبر وأحداث وإيجابيات ومعان تقتبس، وما فيه من نكسات ومآسٍ وانحرافات يجدر ألا يعيد التاريخ فيها نفسه ؟
واهتم وقتها بالحراك الكتابي حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ، والتي قرأ حولها أول ما قرأ"في التاريخ فكرة ومنهاج"لسيد قطب .
كما وجد للدكتور يوسف العش - ربما - كتباً حول الدولة الأموية والعباسية وأفاد منها.
التاريخ الذي نقرؤه ونكتبه وندرّسه هو غالباً التاريخ السياسي فحسب، والحياة أوسع بكثير من السياسة، وإن كانت السياسة نافذة في القرار، وذات ثراء ، تخشى بوادرها، ويؤمل عطاؤها، ولذا تكثر المواهب في دهاليزها!
درّس التفسير وأحبه ولا زال، وتعجب أن يدرّس صغار الطلبة في المتوسط والثانوي: آيات الأحكام، على طريقة ما كتبه أبو بكر ابن العربي وغيره في تفسير آيات الأحكام !.
هل الأحكام هي أهم ما يحتاجه طالب بهذا السن حتى تستل الآيات المتعلقة بها ويترك ما قبلها وبعدها في السياق القرآني، مما يتعلق بالتعريف بالله سبحانه أو غرس المعاني الإيمانية في القلوب، أو القصص التي فيها العبرة و الاتعاظ، أو الوعد والوعيد، أو التأمل في الكون وآياته، والنفس وخلجاتها، إنها مشكلة المعرفة الأكاديمية التي تغفل عن التربية والبناء، وليس يقدر المرء على استجلاء مقاصد القرآن واستلهام هدايته إلا إذا قرأه كما أنزل.
وقد يجد من يقرأ كتب التفسير في أحدها اللغة والإعراب، وفي آخر البلاغة والبيان، وفي ثالث الفقه والحلال والحرام، وفي رابع الإشارات الصوفية أو كما قيل في تفسير طنطاوي جوهري أو مفاتيح الغيب للرازي - رحمهم الله-: فيه كل شيء إلا التفسير!
ولا عتب على التنوع في المعالجة والاهتمام، بيد أن تدريس الطالب يحسن أن يكون للقرآن، تلاوة وضبطاً وتجويداً وفهماً وتدبراً ليسهم النص في صياغة فكره وعقله وقلبه وحياته، ولتكون صلته به دائمة بلا انقطاع.
درّس الحديث، وشرح"عمدة الأحكام"للمقدسي، وهي الأخرى أحاديث مختارة في الأحكام التي قرؤوها في التفسير، وقرؤوها في الفقه، وها هم يعودون أدراجهم إليها في الحديث.
لست أجد غرابة بعد هذا أن يكون تفكيرنا منصباً على الفروع أكثر منه على الأصول وأن تكون التفصيلات الفقهية والجزئيات الفرعية هي المادة المفضلة لدرسنا وحديثنا وتأليفنا، وحين يطالبنا أحد بالاعتدال فكأنما يطالبنا بالكف المطلق عن تناولها، وجوابنا التقليدي أننا نهتم بهذا وذاك، وهيهات، فلا العمر ولا الجهد ولا النظام العقلي الذي تربينا عليه يسعف بتحقيق هذا التمني في الاهتمام الشمولي بكل شيء!
هو مدين لهؤلاء الذين درسهم، فكم من فتى منهم ارتسم في ذاكرته وحباه عطفه ووده، وأنس به، وحاول أن يؤثر في حياته بطريقة أو بأخرى.
وكم من موقف طريف أو محزن، أو تجربة تكبر أو تصغر، أو مشاركة في عمل أو نشاط منحته سلوة أو خبرة، حتى أولئك العابثون من الطلبة بعفوية، أو بدافع التنفيس عن مكنون داخلي، أو تجاوبا مع نزق الشباب وغرارة الصبا.. لا يستحقون كل تلك القسوة ... فيا لجمال الشبيبة وحلاوة أيامها!!
شباب ذللوا سبل المعالي *** وما عرفوا سوى الإسلام ديناً
تعهدهم فأنبتهم نباتاً *** كريماً طاب في الدنيا غصونا
هم وردوا الحياض مباركات *** فسالت عندهم ماء معيناً
ولم يتشدقوا بقشور علم *** ولم يتقلبوا في الملحدينا
ولم يتحدثوا في كل أمرٍ *** خطير كي يقال مثقفونا
أربع سنوات حزم بعدها"الفلاح الجديد"أمتعته وحمل عصاه على عاتقه وولى وجهه شطر الدراسة العليا في الجامعة!
الخرطوم 8/8/ 1427هـ