فهرس الكتاب

الصفحة 11460 من 27364

ثُمَّ دخلَ التتارُ بغدادَ ..وقدْ فتحَ أبوابهَا الوزيرُ ابنُ العلقميُّ ..فدخلُوا يقتلونَ وينهبونَ ويأسرونَ ويدمرونَ ويحرقونَ أربعينَ يومًا حتى أصبحتْ بغدادُ التي كانتْ حين ذاكَ زهرةَ مدائنِ الدنيَا أصبحتْ خرابًا يبابًا ..تنعقُ فيهَا البومُ، وقُتلَ فيهَا كما يذكرُ ابنُ كثيرٍ في تاريخِه حوالي ألفي ألفَ إنسانٍ أي حوالي مليونينِ من المسلمينَ والوزيرُ الرافضيُ الخبيثُ ابنُ العلقمي يتفرجُ على تلكَ الكارثةِ الهائلةِ التي حلتْ بالمسلمينَ وسقطتْ تلكَ الدولةُ العباسيةُ الإسلاميةُ العظيمةُ، التي استمرَّ ملكَها أكثرَ من خمسمائةِ سنةْ ..ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ .

ومن الرجالِ الذينَ لهم مواقفٌ مشهودةٌ في ضياعِ الأمةِ ..والذي على يديهِ تم سقوطُ الخلافةِ الإسلاميةِ العثمانيةِ.. مصطفى كمال ..الذي لَبِثَ في أولِ أمرهِ فترةً يتمسحُ بمسوحِ الإسلامِ ولقبَ نفسهُ بالغازيْ في سبيلِ اللهِ وأعلنَ الجهادَ ليخدعَ المسلمينَ لتنطلي حيلتهُ على السذجِّ ولقد انطلتْ حيلتهُ فعلاً ..حتى مدحهُ أحمد شوقي في قولهِ:

اللهُ أكبرُ كمْ في الفتحِ من عجبٍ يَا خالدَ التُرْكِ جَدِّدْ خالدَ العربِ

وانخدعَ بهِ وظنهُ فعلاً مجاهداً غازياً في سبيلِ اللهِ وما لبثَ ذلكَ الطاغوتُ أنْ كشرَ عنْ أنيابهِ فإذَا هو عدوُ للهِ ورسولِه، فتكَ بالمسلمينِ في ديارِ التركِ ..وسفكَ دماءَ علمائهمْ ..وحاربَ مظاهرَ الإسلامِ وشعائرهُ..وحَرَّمَ التكلمَ والكتابةَ بالعربيةِ واستبدلَ بها اللغةَ التركيةَ والحروفَ اللاتينيةَ ..وقد وصلتْ بهِ الوقاحةُ أنْ منعَ أنْ يُؤَذَّنَ بالعربيةِ ..و أوجبَ أنْ يكونَ الأذانُ بالتركيةِ من شدةِ سخريتِه بالإسلامِ و المسلمين ...لقدْ خدمَ الماسونيةَ خدمةً عظيمةً حتى قالُوا عنهُ كما في دائرةِ المعارفِ الماسونيةِ: ( إن الانقلابَ التركيَ الذي قامَ بهِ الأخُ العظيمُ مصطفى كمالْ أتاتوركْ أفادَ الأمةَ ، فقدْ أبطلَ السلطنةَ وألغىَ الخلافةَ ، وأبطلَ المحاكمَ الشرعيةَ ، وألغَى دينَ الدولةِ الإسلاميةِ ، أليسَ هذَا الإصلاحُ هو ما تبتغيهِ الماسونيةُ في كلِّ أمةٍ ناهضةٍ فمنْ يماثلُ أتاتوركَ من رجالاتِ الماسونٍ سابقاً ولاحقاً ) [1]

هذهِ مواقفُ رجالٍ ورجالْ ..مواقفُ تباينتْ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ..مواقفٌ سُجِلت بمدادٍ من نورٍ ..ومواقفٌ أصبحتْ عاراً في جبينِ الأمةِ ..مواقفٌ يتفاخرُ بهَا أهلُ الإسلامِ على مدارِ الزمانِ ..ومواقفٌ تجلبُ الحزنَ والأسىَ كلمَا سنحتْ في ذاكرةِ أهلِ الإيمانِ ..أناسٌ أصبحَ همُّ الأمةِ وإصلاحِ أوضاعَها جاثماً على قلوبهمْ ، آخذاً بمجامعِ أفئدتهمْ وأفكارهمْ ، وأناسٌ أصبحُوا أداةَ تحركٍ لتحطيمِ الأمةِ ومقدراتهَا .

فمن أيْ الرجالِ تكونُ أنتْ ؟! ومن أي المواقفِ موقفكَ ؟!!

لا تقلْ ..هذه مواقفُ أمراءُ ووزراءُ ..فقد كانَ هؤلاء لا شيءَ ..ولكنْ بجهدهمْ الدؤوبْ ، وعملهُم المتواصلُ أصبحوا شيئا مذكوراً.

هذهِ الأمةُ اليومَ على مفترقِ طرقٍ، وتعاني أَلَمَ الاحتضارِ،فيَا تُرَى ما موقفكَ تجاهَها ؟!! هلْ أخذَ الهمُ بمجامعِ قلبكَ ..فإذَا بكَ تَقْلِبُ حياتكَ كلهَا سُخْرَةً لدينكَ ..ونُصْرَةَ ملتكَ ..والدفاعُ عن عقيدتكَ ؟!! أمَّا أنكَ لا تزالُ غارقاً في بحرِ أمانيكَ ..سابحاً في محيطِ الشهواتِ والمليهاتِ ..لا همَ لكَ إلا جمعُ الحطامِ الفاني !!

إنهُ لا يُرضَى لكمُ أن تكونُوا رجالاً لا يهمهمْ إلا المصالحَ الشخصيةَ والرفاهيةَ الفرديةَ؟؟ ، وأن يكونُوا ذلكَ الساقطِ الهمةِ الذي ذمهُ الشاعرُ بقولِه:

لحَا اللهُ صعلوكاً مناهُ وهمُّهُ من العيشِ أنْ يلقىَ لبوساً ومطعمَا

ويَا ليتَ شبابَ الإسلامِ بلغُوا في علوِّ همتهمْ ، وطموحهمْ مبلغَ الشاعرِ الجاهلي امرئِ القيسْ حيثُ قالَ:

ولو أنِني أسعىَ لأدنىَ معيشةٍ كفانِي ولمْ أطلُبْ قليلاً من المالِ

ولكننِي أسعىَ لمجدٍ مؤثلٍ وقد يدركُ المجدَ المؤثَّلَ أمثاليِ

إن المجدَ المؤثلَ وهو الذي يحلمُ به الشاعرُ الطموحُ ، هو الذي نشدهُ عمرُ بن عبدالعزيز ، فأدركُه ، وسعىَ له طارقُ بنُ زيادٍ ومحمدُ بن القاسمِ الثقفيِّ فوصلاَ إليهِ ، وهو الذي يليقُ أن يكونَ غايتكُم المنشودةَ ، إنكمْ بحقٍ أحقُ الناسِ بأنْ تضحُوا برفاهيتكمْ ، وترفكمْ وأمانيكمْ المعسولةَ في سبيلِ الإسلامِ ، وفي سبيلِ المصلحةِ العامةِ ، والسعادةِ البشريةِ ، وتنضمُوا إلى الرايةِ المحمديةِ ، التي اختارهَا اللهُ لكمْ رايةً ، واختاركمْ لهَا أمةً وجنداً إلى آخرِ الدهرِ ] وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو موالكم فنعم المولى ونعم النصير[

[1] ـ انظر •صحوة الرجل المريض ص 273 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت