فهرس الكتاب

الصفحة 11512 من 27364

وإضافة إلى ذلك ، فقد تحدث الشهرستاني عن الباطنية، وذكر شيئاً من مقالاتهم [45] ،ولكن كان الواجب على الشهرستاني أن يكشف عن معتقدات الباطنية، ويبين إلحادهم وزندقتهم وكيدهم لأهل الإسلام ، كما فعل سلفه عبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفرق) [46] ، وغيره. ونقف وقفة يسيرة أمام هذه الأقوال المتعارضة، لنقول: إنه يمكن أن نعزو رمي واتهام الشهرستاني بالإسماعيلية إلى جملة أسباب تتعلق بشخصه، منها: أن الشهرستاني -وللأسف - مع كثرة اطلاعه ومعرفته للمذاهب والفرق الإسلامية، فإنه كان جاهلاً بمذهب السلف الصالح ، فلا يعلم معتقد أهل الحديث ، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في غير موضعٍ ، فقال:

"فالشهرستاني صنف (الملل والنحل) ، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله ، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ، ولم يذكره" [47] .

ولقد ورَّثت هذه المعرفة الواسعة للمذاهب المختلفة صاحبنا-مع الجهل بمذهب السلف الصالح - حيرةً واضطراباً، عبر عنها بهذين البيتين من الشعر ، فقال:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعاً كف حائرٍ على ذقنٍ أو قارعاً سن نادم [48]

وتتمثل هذه الحيرة وعدم الاستقرار على مذهب ما، ما نلاحظه في الشهرستاني من موافقة للأشاعرة، ومن ميل للإسماعيلية مرة أخرى، وإظهار التشيع [49] مرة ثالثة، وربما تأثر بفلسفة أو تصوف.

وسبب آخر جعل بعض العلماء يتهم الشهرستاني بالباطنية، وهو ما أشار إليه ابن حجر -رحمه الله-حيث قال معقباً على ما ذكر من وقوع الشهرستاني في ذلك:

"لعله كان يبدو من ذلك على طريق الجدل ، أو كان قلبه أُشرب محبة مقالتهم لكثرة نظره فيها، والله أعلم" [50] . -

إذن فإلحاح الشهرستاني وإمعانه في مناظرة الإسماعيلية، وكثرة جداله معهم ، ربما كان سبباً في رميه بالباطنية لتأثره بتلك المناظرات ، وقد صرح الشهرستاني بكثرة مناظراته للإسماعيلية ، فقال:"وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة، فلم يتخطوا عن قولهم: أفنحتاج إليك؟ أو نسمع هذا منك؟ أو نتعلم عنك؟" [51] .

وعلى كل فلا تزال هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من التوثيق والبحث ، ولعل الاطلاع على الكتب الخطية للشهرستاني يعطي مزيداً من المعلومات حول هذه المسألة.

وفي ختام الحديث عن شخصية الشهرستاني: لابد من الإشارة إلى ميل الشهرستاني إلى التشيع ، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا بقوله:"وبالجملة فالشهرستاني يظهر الميل إلى الشيعة إما بباطنه ، وإما مداهنة لهم ، فإن هذا الكتاب -كتاب (الملل والنحل) -صنفه لرئيس من رؤسائهم ، وكانت له ولاية ديوانية ، وكان للشهرستاني مقصود في استعطافه له ، وكذلك صنف له كتاب (المصارعة) " [52] .

وهذا الأمير الشيعي الذي من أجله ألف الشهرستاني كتابيه:"الملل والنحل"، و"المصارعة"هو علي بن جعفر الموسوي ، وكان أميراً في خراسان [53] .

وقد صرح الشهرستاني بذلك ، فقال في مقدمة كتابه (مصارعة الفلاسفة) - بعد إطراء ومدح طويل لهذا الأمير الشيعي-:"انتدب أصغر خدمه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، لعرض بضاعته المزجاة على سوق كرمه ، فخدمه بكتاب صنفه في بيان الملل والنحل ، على تردد القلب بين الوجل والخجل ، فأنعم بالقبول ، وأنعم النظر فيه" [54] .

ويظهر تشيع الشهرستاني عندما يقول:"وبالجملة كان على -رضي الله عنه- مع الحق، والحق معه" [55] ، وقد علق شيخ الإسلام على هذه العبارة.. فكان مما قاله:"هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع الشيعة، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعمر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن الحق معهم دون من خالفهم ، وهذا التخصيص لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة" [56] .

وقد كذَّب شيخُ الإسلام الشهرستانيَّ في بعض آرائه التي تدل على تشيعه ، وناقشها وبسط القول فيها، فكذبه ابن تيميه مثلاً في دعواه أن عمر -رضي الله عنه-في خلافته ردَّ السبايا والأموال لمانعي الزكاة [57] ، كما كذبه في دعواه اختلاف الناس على خلافة عثمان - رضي الله عنه- [58] .

وعلى كلٍ: فإن الإنصاف والعدل يجعلنا نذكر لك أن الشهرستاني له شىء من الردود على مطاعن الشيعة في الصحابة [59] ، مع أن الرد والمناقشة ليست من منهجه في كتاب"الملل والنحل"كما سيأتي، كما أنه يصفهم بالحيرة والضياع [60] .

وربما كان هذا التذبذب من أجل إرضاء الطرفين ، أهل السنة والشيعة، والله أعلم.

وأما كتابه (الملل والنحل) والذي طبع عدة مرات ، واعتنى به كثير من المحققين ، وترجم إلى عدة لغات ، فإنه يعتبر موسوعة جامعة وموجزة لمختلف المقالات والملل والأهواء والنحل.

وقد اعتنى الشهرستاني فيه بحسن الترتيب ، وجودة التنظيم وعرض المعلومات ، يقول السبكي:"وهو (أي: كتاب الملل والنِّحل) عندي خير كتابٍ صنف في هذا الباب ، ومصنف ابن حزم (يعني: الِفصَل) وإن كان أبسط منه ، إلا أنه مبدد ليس له نظام" [61] .

ويذكر شيخ الإسلام أن هذا الكتاب:"أجمع ، من أكثر الكتب المصنفة في المقالات ، وأجود نقلاً" [62] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت