فهرس الكتاب

الصفحة 11828 من 27364

أما بقية الأهداف فظلت حبراً على ورق بل أكثر من ذلك ظلت المنطقة العربية تشهد تراجعاً وتقهقراً في بعض تلك الأهداف، وإذا أخذنا على سبيل المثال موضوع الوحدة العربية كأحد أهم هذه الأهداف فسنلاحظ بكل مرارة وأسف أن التفرق والتشرذم، والخلافات الثنائية بين الأقطار العربية ظلت تتعزّز باستمرار، ولئن كان الحديث عن الوحدة إبان إنشاء الجامعة وخلال فترتها الأولى مباحاً؛ فإن مجرد التفكير فيه اليوم قد صار ضربا من الخيال، ونمطاً متقدماً من الجنون... وقس على ذلك بقية الأحلام الوردية الجميلة الأخرى..مثل تحرير فلسطين، وطرد المعتدين، وحماية الأقطار العربية من أي استهداف، وتحقيق العدالة الاجتماعية....الخ

أما الإصلاح السياسي، وبسط الشورى والديمقراطية فقد اعتبرته الأنظمة العربية من المؤجلات إلى الأبد، وطالبت شعوبها الانتظار لتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية بانتهاء مهلة"التنمية"، ولهذا حكم الحكام كما يهوون، ومارسوا مختلف أنواع القمع، واستنزفوا رصيد الثقة الذي تمتعوا به بادئ ذي بدء.

من حجم إحباط الشارع العربي من قمم قادَتِه أن بات"حسبه من الغنيمة بالإياب"، وحسبه من القمم ألاّ ينجلي غبارها عن معارك بين قادتها أو عن تكريس مزيد من التبعية والاستسلام ، حيث تنعقد قمة الجزائر في وضع عربي منهار بكل المقاييس بعد أن احتل العراق من طرف الأمريكان، وجرى استهداف سوريا، وتوحّدت كل القوى الغربية على إدانتها و الضغط عليها ظاهرياً من أجل سحب قواتها من لبنان و فعلياً من أجل التطبيع مع الصهاينة والمساهمة في نزع سلاح حزب الله، وحماية حدودها مع العراق من تسلل المقاتلين إليه.

أما بقية العرب فسيف الإدارة الأمريكية مسلط عليهم لمكافحة الإرهاب، وللدخول في مسيرة"السلام"مع الصهاينة، ولتحقيق ما تسميه الإدارة الأمريكية"إصلاحات ديموقراطية".

ويخشى بعض المراقبين أن تكون قمة الجزائر قمة للتطبيع والهرولة نحو الصهاينة؛ إذ يقوم حالياً أحد أهم عرابي التطبيع في المنطقة"الأردن"بمحاولة جرّ المنطقة العربية برمتها، بعد أن تسللت فرادى إلى خطيئة التطبيع مع الصهاينة، وذلك من خلال مشروع تقدمت به من أجل تعديل مبادرة السلام التي أقرّها العرب في قمتهم ببيروت 2002 م ويبدو أن الأمر غير مستبعد لدى أغلب القادة العرب خصوصاً بعد ما فتح مؤتمر شرم الشيخ الباب مشرّعاً وواسعاً أمام هذا الخيار، ومن أجل ذلك قرّرت مصر والأردن إرجاع سفيريهما إلى إسرائيل. كما جرت اتصالات وعُقدت لقاءات عربية إسرائيلية على هامش مؤتمر الديموقراطية والإرهاب المنعقد مؤخراً بمدريد، حيث تحدثت مصادر إعلامية متعددة عن لقاء جمع بين بيريز وبوتفليقة، وآخر بين بيريز ومعاوية ولد الطايع الرئيس الموريتاني، كما ستبحث القمة وتناقش موضوعاً يحكي هو الآخر فصلاً من فصول الانحناءات العربية- وما أكثرها- أمام أسياد الخارج، ويرسم صوراً من صور الاستجابة والاستسلام للضغوط الخارجية؛ يتعلق الأمر بالإصلاحات السياسية المفروضة من الأمريكان والتي تعهد القادة العام الماضي في قمة تونس بالقيام بها كلٌّ حسب ظروفه وإمكانياته الخاصة، والتي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، ولم تتقدم أي خطوة إلى الأمام .. ومن المؤكد أن الأمريكان - الحاضر الغائب في القمة - سيدفعون دفعاً في اتجاه التسريع بالقيام بخطوات ملموسة في هذا السياق، وهو ما يتحفظ عليه القادة العرب معتبرين أن التسرع في تلك الخطوات من شأنه أن يزعزع استقرار الأنظمة، ويهز كيانها..

أما الملف الفلسطيني فسيكون موجوداً وحاضراً - وإن بشكل أقل من مرات سابقة- وستكون التطورات الحاصلة على مستواه ومشاركة محمود عباس للمرة الأولى في قمة عربية بعد وفاة عرفات، ستمثل تلك التطورات - إضافة إلى موضوع الهدنة التي وقّعتها الفصائل الفلسطينية مع السلطة- مبرّرات إضافيّة للهرولة نحو الصهاينة.

وباختصار تأتي قمة العرب في الجزائر في لحظة استهداف حقيقية لهم من طرف قوى الهيمنة على العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تحجب دعوتها إلى تفكيك المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج لتعيد تركيبتها في"كانتونات مهترئة"أشبه ما تكون بدويلات ملوك الطوائف في الأندلس منذ قرون، ولم يخجل الساسة المحافظون الجدد في أمريكا في كشف حقيقة نواياهم، بل جاهروا بأجندتهم الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

إن القمم العربية- ومن ورائها الجامعة العربية- أثبتت فشلها خلال الستين سنة الماضية وأكّدت أنها غير قادرة على الارتفاع إلى مستوى تطلعات وأمال الشارع العربي..وعليه فإن الأمر يستدعى إصلاحاً عربياً حقيقياً، ليس هو -بكل تأكيد- ما يتحدث عنه العرب على استحياء في الفترة الأخيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت