فهرس الكتاب

الصفحة 11909 من 27364

خلطت السياسة الأمريكية التي قادها اليمين الأمريكي المحافظ الأوراق في المنطقة وفي الكثير من مناطق العالم، إذ سعت الإدارة الأمريكية بزعامة الجمهوريين والمحافظين الجدد إلى تشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب،"تحالف الراغبين"في الالتحاق به حسب مقولة الرئيس الأمريكي جورج بوش، كان أحد أهدافه -وبشكل واضح- إبعاد أي نفوذ أوروبي في المنطقة المتوسطية وباقي جهات العالم، والتمكن من جر الأوروبيين وراء واشنطن تحت لافتة محاربة الإرهاب، واسترجاع النفوذ الأمريكي في أوروبا إبان مرحلة الحرب الباردة حينما كانت الإدارة الأمريكية تسير أمام الأوروبيين بدعوى محاربة الشيوعية وتتزعم حرب النجوم ضد الاتحاد السوفياتي. فظهر التنافس على أشده بين الاتحاد الأوروبي ممثلاً في الثنائي الفرنسي ـ الألماني؛ إذ أدرك البلدان أن واشنطن تحضر من وراء رفع شعار محاربة الإرهاب المزعوم خططاً جديدة تنفرد بوساطتها بمقاليد الأمور في السياسة الدولية. وصار التنافس أكثر شراسة عندما هاجم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قبيل الحرب على العراق كلاً من برلين وباريس، واصفاً إياهما بـ"أوروبا العجوز"التي لا تحتاج إليها واشنطن بقدر ما تراهن على البلدان الأخرى الملتحقة حديثاً بالاتحاد الأوروبي كقوى صاعدة وحليف قوي للأمريكيين.

في أعقاب تلك الأحداث وضعت الإدارة الأمريكية مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا عام 2002، الذي شمل هو الآخر البعد الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني، وفق تقسيم معين لبلدان العالم العربي والإسلامي. وقد لقي هذا المشروع في بدايته ردود فعل أوروبية غير مرحبة، خاصة

من لدن فرنسا وألمانيا، وتم وضع ورقة أوروبية حول الإصلاحات السياسية في العالم العربي ودمقرطة الأنظمة العربية، وأخيراً انتهى الأمر عند نقطة تقاطع بين الأوروبيين والأمريكيين الذين اضطروا ـ لتحصيل الدعم الأوروبي ـ إلى إدخال تعديلات على ورقتهم، وعقد أول مؤتمر لتسويق المشروع في العاصمة المغربية الرباط.

وقد أظهر مشروع الشرق الأوسط الكبير أن العالم العربي والإسلامي أصبح مرتهناً بين نوعين من الأجندة: الأجندة الأمريكية التي تتجلى في مشروع الشرق الأوسط الكبير، والأجندة الأوروبية الممثلة في مشروع الشراكة الأورومتوسطية، وبالقدر الذي كان الأول يتقدم بخطوات محسوبة عبر إجراءات أقدمت عليها الإدارة الأمريكية مع عدد من البلدان العربية والإسلامية من المغرب إلى باكستان، شملت كافة الجوانب من الأمن والتعليم إلى الاقتصاد والتحالفات العسكرية، مرفقة بضغوط خفية أو ظاهرة، كان المشروع الثاني يتراجع تدريجياً ليصبح مجرد ذكرى، وتحولت اللقاءات التي كانت تُعقد في إطاره إلى شكل من الندوات أو حلقات النقاش أو لقاءات المجاملة.

الأمن أولاً... الأمن أخيرا ً

من الواضح أن السنوات العشر الماضية لم تكن في مستوى توقعات بلدان الجنوب التي راهنت عليها في البداية؛ إذ بالرغم من الخطابات الأوروبية المتكررة استمرت الفجوة الواسعة بين بلدان الضفتين نسبة إلى الدخل الفردي وحجم النمو الداخلي، وأخفقت هذه الدول في التوصل إلى صيغة للتنسيق أو التعاون الاقتصادي فيما بينها كما هو محدد في إعلان برشلونة الذي يتحدث عن تكامل اقتصادي جنوب ـ جنوب قبل الدخول في مرحلة 2010، وكمثال على ذلك فإن المبادلات بين بلدان الاتحاد المغاربي الخمس، وهي المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس وليبيا ، لا تتجاوز 3% من حجم مبادلاتها مع الخارج. واستمر الوضع في بلدان الجنوب خلال هذه الفترة مستقراً في مكانه تقريباً؛ إذ لم تتجاوز نسبة النمو 3.9% ما بين (1995 -2003) ، أما نسب البطالة فلا تزال تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ولا تزال بلدان الجنوب بعيدة عن طموح الوصول إلى (90) مليون منصب شغل في أفق عام 2020. ولكن المفارقة في مسلسل الشراكة أن الأوروبيين في الوقت الذي يتحدثون فيه عن تنمية الجنوب يغلقون الباب أمام منتجاته الفلاحية في اتفاقيات التبادل الحر، ويدعمون الفلاحة الأوروبية، مما يكشف أن الأوروبيين لا يضعون في أولوياتهم النمو الاقتصادي لبلدان الجنوب بقدر ما يهتمون بالجانب الأمني فحسب، ويتساءل بعض الخبراء الأوروبيين: إذا كانت أوروبا قد

أخفقت طيلة السنوات الماضية في منح شيء للجنوب عندما كان الاتحاد يتشكل من (15) دولة، فكيف تستطيع فعل ذلك اليوم بعد أن أصبحت منشغلة بالبلدان العشرة من شرق أوروبا واتسعت إلى (25) دولة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت