فهرس الكتاب
فهنا مراجعة, ومحاولة إقناع واقتراح وإلحاح، لكنها -أيضاً- في حدود معينة, ولا شك أن موسى -عليه السلام- كان له مأخذ من خلال تجربة ومعايشة مع بني إسرائيل, ورأى في بني إسرائيل من التلوّم، والضعف، والتراجع، والتردد ما جعله يقول هذا, والنبي - صلى الله عليه وسلم - استجاب له أولاً، وثانياً، وثالثاً, حتى استحيا من ربه, وكان في هذا حكمة بالغة؛ لأن في هذه الأمة المحمدية الخاتمة من الفضل والمكانة، والسؤود والرفعة ما ليس لبني إسرائيل.
فهذا أمرٌ جبل الله -تعالى- عليه العباد, ومن الخطأ أن نظن أن فلاناً أتقى لله -تبارك وتعالى- لأنه أشد في الدين أو في المواقف؛ فالشدة هنا قد تكون في طبعه، وهي خارجة عن اللزوم الشرعي.
عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟"قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومُك وأهلُك، استَبْقِهِمْ، واستأْنِ بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذَّبوك، قَرِّبهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة:يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم أَضْرِم عليهم ناراً. قال: فقال العباس: قَطَعْتَ رَحِمَك. قال: فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرُدَّ عليهم شيئاً، قال: فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. قال: فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إن الله لَيُلِيْنُ قلوب رجالٍ فيه، حتى تكون أَلْيَن من اللبن، وإن الله ليشُدُّ قلوب رجال فيه، حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مَثَلَك يا أبا بكر كَمَثَل إبراهيم -عليه السلام-، قال:"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم"ومَثَلُك يا أبا بكر كَمَثَل عيسى، قال:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"وإن مثلك يا عمر كمثل نوح، قال:"ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً"وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال:"ربِّ اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم"..."الحديث رواه الترمذي (1714) وأحمد (3632) .
فاللين هنا محمود؛ لأنه في الله -سبحانه وتعالى- لكنه تكويني وجبلي, فقد يكون من طبعي أنني لين, وأحب أن يسلم الناس, وأن يؤمنوا وأن يتقوا الله -سبحانه وتعالى- فأرفق بهم، وأوسع عليهم رغبة في تأليفهم على الإسلام، وهذا نموذجه أبو بكر -رضي الله عنه-, ولهذا قال:"إن الله ليلين قلوب رجال فيه"، وليس هذا اللين خارجاً عن الشريعة, مثل أن يكون إقراراً لهم على معصية، أو موافقة لهم على مخالفة شرعية صريحة، أو ما أشبه ذلك من المعاني، كذلك التشديد لما قال:"ليشدد قلوب رجال فيه"هذه الشدة ليست مذمومة، فليست تنطعاً ولا غلواً، ولا إجحافاً، ولا إهداراً لحق الآخرين، وإنما هي شدة في الله -تبارك وتعالى- ولهذا قال:"حتى تكون أشد من الحجارة"فلا يفهم أن هذه قسوة مذمومة كقوله -تعالى-:"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً" [البقرة: 74] , وإنما هي شدة في الحق سببها الغضب لله -عز وجل-, والخيمة لدينه, فاللين مثاله أبو بكر -رضي الله عنه-, والشدة مثالها عمر -رضي الله عنه-، وأبو بكر أفضل من عمر -رضي الله عنهما- فلو وزن إيمانه بالأمة لوسعهم، وهو صدّيق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاء في مدحه من الفضائل ما لم يأت لغيره من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-.
فليس اللين -في حد ذاته- علامة على صدق التدين، كما أن الشدة والقوة ليست علامة على صدق التدين أيضاً.
التدين قد يكون سواء, لكنني عبرت عن التدين من خلال تكويني الذي جبلني الله -تعالى- عليه، وهو اللين، وأنت قد تكون عبرت عن هذا التدين بما جبلك الله -تعالى- عليه وهو القوة والشدة، وفي كلٍّ خير.
فها نحن نرى الخلاف -بعد ما رأيناه مع أنبياء الله ورسله- بين أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في مسألة اجتهادية تتعلق بالأسرى، ولهذا نظائر كثيرة جداً لا يمكن إحصاؤها، كاختلافهم في بني قريظة وهو معروف، واختلافهم في تولية بعض الأمراء كقصة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في سورة الحجرات، واختلافهم فيما لا يحصى من المسائل الفقهية في العبادات، والبيوع، والأنكحة، وغيرها.
وهذا كله مما لا حيلة في دفعه ، فهو أمر واقع لا مفرَّ منه؛ لأنه مترتب على طريقة تفكير الناس وتكوينهم وطبيعتهم وما جَبَلَهُم الله -تعالى- عليه، وأيضاً على علمهم ومدى ما وصلوا إليه من تصحيح نصٍ أو تضعيفه، ومن فهمه على وجهه أو على وجه آخر, أو ما أشبه ذلك من الاعتبارات التي ذكر كثيرًا منها الإمام ابن تيمية في كتابه"رفعُ الملامِ عن الأئمةِ الأعلامِ".