فهرس الكتاب

الصفحة 12209 من 27364

في ذات المناسبة، استطاع (ألون) أن يعرف بأن:"الرئيس الأسد طلب من أردوغان أن يقوم هذا الأخير باستغلال 'العلاقات الحسنة' بين بلاده و إسرائيل، لكي يعمد إلى تحريك مفاوضات السلام معهم"، و هنا تقول الصحيفة إن:"سورية كانت ترغب في تحريك عملية السلام حتى تتمكن من محاصرة 'الإسلام الراديكالي' الذي يتهددها"، فضلاً على أن السوريين- وفقاً لذات الصحيفة-:"كانوا يدركون جيداً مبلغ ما سوف يحققونه من ميزات و نتائج اقتصادية وفيرة بعد توقيعهم لاتفاقية سلام مع الإسرائيليين".

بعد ذلك، يتحدث المقال/القضية، على أن تركيا لم تتمكن من أن تلعب دوراً مستقبلياً حقيقياً فيما تلا ذلك 'الجس' الأولي؛ لأن الأمر صار بأيدي الأمريكان من خلال وسطاء تدخلوا في الموضوع، و لقد أوردت الصحيفة من بينهم (جيوفري آرونسون) ، الذي ينتمي إلى (مؤسسة السلام في الشرق الأوسط) ، الواقع مقرها في العاصمة الأمريكية واشنطن، بالإضافة إلى شخص آخر يُدعى: إبراهيم سليمان الذي قالت عنه (هآرتس) أنه:"رجل أعمال أمريكي من أصل سوري و منحدر من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد نفسه، و أغلب رجالات الدولة في النظام السوري".

أما عن عدد اللقاءات التي جرت فإن الجريدة تقول إنها كانت سبعة في مجموعها منذ سبتمبر 2004 في إحدى العواصم الأوروبية التي لم يتم الكشف عنها لحد الساعة قبل أن تواصل معلقة:"لقد أمسك الأوروبيون بقصب الوساطة، و لقد عُقد آخر لقاء في الصيف الماضي خلال أوج أيام حرب لبنان الأخيرة"، ثم توقفت المفاوضات عند ذلك بعد أن:"أصر الطرف السوري على أن تبقى المباحثات في طور السرية، و لا ضرر في أن يتم رفع التمثيل ليصل إلى حضور رسميين من المسؤولين السوريين و الإسرائيليين و حتى الأمريكيين"، و هو الطلب الذي رفضه الطرف الإسرائيلي مثلما تؤكد (هآرتس) .

صحيح أن الوثيقة مثلما أفادت وكالات الأنباء، جوبهت بنفي رسمي من قبل كل دمشق و تل أبيب مباشرة عقيب نشرها، إلاّ أنها مع ذلك ما زالت موضوع تداول عالمي و إعلامي كبير بالنظر لأهميتها و سبقيتها أولاً، ثم بالنظر لما أوردته من معلومات و تفاصيل في غاية الدقة، و بطريقة تجعل أمر نفيها غير بسيط، ويكفي تعليق مقتضب لكي يمحو أثره و مدلولاته.

من بين هذه المدلولات الأخيرة يمكننا مثلاً أن نلاحظ مدى تعلق اليسار الإسرائيلي بأي وميض يوحي بإمكانية استئناف مسار التسوية مع المحيط العربي بعد أن نجحت عقود الاستنزاف من أن تفصل القضية الفلسطينية عن عمقها الإسلامي على المستوى الرسمي طبعاً، بمعنى أنه على الرغم من كل ما قيل و يُقال، لا يزال لدى اليسار في إسرائيل، بل و حتى الوسط، استعداد للدخول في التسوية، و هذا وحده دليل كاف على أن سياسة العصا الغليظة و التلويح بالقوة التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لم تؤت أُكُلَها، و الظاهر أنها انتهت بشكل فعلي مع ذهاب شارون إلى الغيبوبة العميقة، قبل أن تتولى الحرب الأخيرة على لبنان مهمة كشف مدى خواء و هوان الجبهة الداخلية في الدولة العبرية على كل المستويات: الأمنية و العسكرية و حتى السياسية، و لعل الأمر سيكون أكثر وضوحاً هنا حينما نلاحظ مثلاً أن أحد القراء الإسرائيليين، علق على الخبر في موقع الجريدة بقوله:"إن بوش و إدارته مجرمون لأنهم أوقفوا هذا المسار?"

صحيح أنه ليس في مقدور أي كان في الوقت الحالي أن يثبت صحة الوثيقة و المعلومات التي أوردتها، إلاّ أن هذا لا ينفي من ناحية أخرى أيضاً، أن ما ورد فيها متوقع بل و منتظر؛ لأن الأمريكان الذين هم أصلاً، عرابو إسرائيل و ضمانة أمنها و تفوقها منذ تأسيس الكيان في 1948، باتوا مؤخراً في وضع غير مريح، أولاً بسبب انكسار مشروعهم القومي في العراق بشكل جعل من الإستراتيجيات الأمريكية مهزلة يجري تغييرها مع كل فصل بطريقة لا تختلف كثيرا عن الإستراتيجيات المرنة في بلداننا. و ثانياً لأن الأمريكيين صاروا يدركون حالياً أن المنطقة ليست مهيأة بشكل كامل لتقبل أنموذجها السياسي فقط من خلال فرض الديمقراطية 'المحمولة جواً'، و أوضح مظاهر ذلك مثلاً، تقدم الإسلاميين في جل الانتخابات التي نُظّمت هنا و هناك.

أخيراً، نستطيع أن نلحظ و لا بد لنا هنا أن نكون صريحين، أن أنظمة الممانعة و حركات المقاومة هي فعلا في وضع مكشوف، بمعنى أنه من السهل جدا لأنظمة لا تقوم على الشرعية الشعبية و احتضان الناس لها، أن تتنازل عنها عند تقديم أول مقابل مغر يسيل لعاب خبراء التخطيط و المناورة عندنا.

إن هذا يعني أن هذه الحركات على الرغم من كل ما حققته و تحققه، باتت اليوم مضطرة إلى مراجعة بعض من قواعدها و مرتكزاتها حتى لا تستيقظ يوماً فلا تجد من حولها غير أنظمة معادية قد يستلزم أمر الإفلات منها ربما الاستعداد لتحمل شراسة أفظع بكثير من شراسة الموساد الإسرائيلي نفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يمكن مطالعة نص الوثيقة على موقع الجريدة على الرابط:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت