فهرس الكتاب
وهو ما سيؤثر على هدف السلطة من الاعتقال، ويجعل متاجرتها السياسية بأبناء شعبها غير مجدية، بل ذات مردود عكسي.
وقد جاءت ردة فعل الشارع في العاصمة الموريتانية، معبرة عن وعي الشعب بدوافع هذه المتاجرة السياسية، حيث أجمعت القوى السياسية الموريتانية على إدانة الاعتقالات، ومنها"الجبهة الموحدة للمعارضة"و"التحالف الشعبي التقدمي"و"حركة تطوير الديمقراطية"و اتحاد القوى الديمقراطية، وحزب الملتقى الديمقراطي و"الهيئة الوطنية للمحامين". واتحاد طلاب موريتانيا ، وغيرها من القوى السياسية بالبلاد .
لكن كل هذه الحقائق لم تغير حتى الآن من تفكير القيادة الموريتانية .
رفض شعبي للتطبيع ..
ويضاف إلى ذلك ثمن التطبيع.. حين غير الرئيس الموريتاني خريطة تحالفاته الخارجية، وتبني سياسة احتماء جديدة، ارتبط بمقتضاها بحام جديد هو أمريكا، وكان ثمن ذلك تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولا يمكن فهم الاعتقالات الأخيرة دون ربطها بموضوع التطبيع، فكل المعتقلين من الإسلاميين لهم جهود في مقاومة التطبيع بين موريتانيا وإسرائيل؛ فمحمد جميل منصور هو أول رئيس ل:"الرباط الوطني لمقاومة الاختراق الصهيوني وللدفاع عن فلسطين والعراق"، أما الشيخ محمد الحسن.. فقد أصدر فتوى - منذ شهور- وقّع عليها كبار العلماء الموريتانيين، تحرِّم العلاقات مع إسرائيل، أثارت ضجة كبيرة، وأحرجت السلطة الموريتانية كثيرا.
ولم يفتأ الشيخ محمد الحسن يحارب التطبيع في كل دروسه ومحاضراته العامة. والأئمة المعتقلون معروفون لسكان العاصمة الموريتانية بخطبهم المناهضة للعلاقات مع إسرائيل.
ومن هنا فإن زيارة سلفان شالوم وزير خارجية إسرائيل الأخيرة لموريتانيا - منذ أسابيع- أحيطت برفض شعبي وسياسي غير مسبوق، أعاد الشارع الموريتاني إلي تحمسه القديم، للدفاع عن عروبته وثوابته، فالزيارة شغلت كل موريتانيا، وعاش فيها الجميع علي أعصابه، ما بين غاضب لوطء شالوم أرض موريتانيا، ومهتم بتأمينه وانجاح زيارته.
وقد أحيط شالوم بإجراءات أمن، لم تشهدها العاصمة الموريتانية، من ذي قبل شاركت فيها وحدات إسرائيلية متخصصة.
وقوبلت زيارة سلفان شالوم بمظاهرات حاشدة، شاركت فيها كل القوى السياسية والشعبية بالبلاد ، رددت خلالها شعارات التنديد بالعلاقات مع إسرائيل ومطالبة بقطع علاقات نواكشوط بتل أبيب.
مبررات النظام الموريتاني لإقدامه على التطبيع مع العدو الصهيوني كثيرة، وأول هذه المبررات الواهية هي الادّعاء بأن الهدف من التطبيع هو إقناع الإسرائيليين بدرب السلام والتعايش، وكف العدوان عن الأشقاء الفلسطينيين !
التيار الإسلامي في موريتانيا
الاتجاه الإسلامي - والذي يعد امتدادا لفكر حركة الإخوان المسلمين - هو أحدث التيارات نشأة في الساحة السياسية الموريتانية، التي تضم خليطا من التيارات المتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
وقد نشأ التيار الإسلامي في حقبة ا السبعينيات من القرن الماضي، في أوساط خريجي الجامعات القادمين من المشرق العربي .
ولعبت عوامل من بينها الخارجي، مثل تنامي المد الإسلامي في العالم العربي وقيام الثورة الإيرانية، وعوامل داخلية منها تراجع المد القومي واليساري بسبب الحملات الأمنية العنيفة التي استهدفت الشيوعيين، أثناء حكم الرئيس الأسبق المختار ولد داداه والناصريين والبعثيين، في الثمانينات، بعد وصول الجيش للحكم.. لعبت دورا كبيرا في ولادة الاسلاميين في موريتانيا.
كما تعزز حضورهم في الساحة بعد تأسيس الجمعية الثقافية الإسلامية ـ الواجهة الثقافية والدعوية والخيرية للأداء الإسلامي السياسي في البلاد، طيلة العقدين الماضيين.
وشكلت أطروحات حركة"الإخوان المسلمون"المرجعية الفكرية للإسلاميين في موريتانيا، الذين قدموا أنفسهم على أنهم امتداد لحركات الإصلاح الإسلامية في العالم العربي .
وتتنازع التيار اليوم توجهات فكرية متباينة، بيد أن مدرسة الاعتدال، التي يمثلها العالم الشاب الشيخ محمد الحسن ولد الددو -أحد أبرز قيادات التيار الإسلامي حاليا - والمعارض الإسلامي البارز محمد منصور، تبدو هي الأقوى والمهيمنة على الساحة الإسلامية في موريتانيا .
وتتبنى المدرسة ـ كما يقول قادتها ـ نهج الكفاح السياسي السلمي ومنهج الوسطية، وأكد قادتها - مرارا- نبذهم للعنف، كوسيلة لحسم الصراع مع السلطة.
غير أن الإسلاميين الموريتانيين يعارضون التوجهات الدبلوماسية لنظام الرئيس معاوية ولد سيد احمد الطايع - الذي يحكم البلاد منذ 21 عاما- كما يعارضون سياساته الاقتصادية والاجتماعية المتحررة.
وكان ولد الطايع قد قام منتصف التسعينات ( أواخر عام 96) بربط صلات مع إسرائيل، تقربا من واشنطن وذلك بعد الأزمة السياسية الحادة التي تفجرت مع الحليف التقليدي فرنسا - على خلفية اعتقال السلطات الفرنسية لضابط موريتاني خلال وجوده بفرنسا في مهمة تدريبية بدعوى ممارسته للتعذيب ضد سجناء سابقين - وتطورت هذه الصلات، فيما بعد لتصبح موريتانيا ثالث دولة عربية، بعد مصر والأردن تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.