فهرس الكتاب
وبقي الكلام على حالة أخرى، وهي أن يحتل العدو أرض المسلمين أو أحد أقاليمها، كما حصل في القرن الماضي، عندما احتل الأوربيون غالب بلدان المسلمين، وكما هو الواقع اليوم في الأرض المباركة"فلسطين"وبلاد"الشيشان"ونحوهما.
هذه الحالة في حاجة إلى إيضاح وبيان
معلوم أن الجهاد في سبيل الله، يكون فرض عين في ثلاث حالات، والذي يهمنا هنا التذكير بحالتين:
الحالة الأولى: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، فيجب وجوبا عينيا على كل قادر من أهل البلد المعتدى عليه، رجالا ونساء شبابا وشيبا، أن يدفعوا العدوان عن بلدهم، ومن تأخر منهم عن ذلك فهو آثم.
الحالة الثانية: أن يستنفر ولي الأمر المسلمين، فيجب على كل قادر منهم تلبية النفير، ولا يجوز له التأخر، ومن تأخر منهم عن ذلك فهو آثم، واستنفار ولي الأمر رعيته في هذه الحالة واجب، وإذا لم يفعل فهو آثم، لأنه راع وكل راع مسئول عن رعيته.
وإذا قُدِّر امتناعُ مَن تولى أمرَ المسلمين عن استنفارهم لدفع العدو عن بلدهم مع القدرة على مقاومة العدو وطرده، فإنه يجب على أهل الحل والعقد من العلماء والمفكرين والساسة وأعيان البلاد، إقامة من يقودهم للجهاد في سبيل الله واستنفار الناس لدفع العدوان، ولا يجوز لهم القعود عن ذلك، لما فيه من الهوان والصغار لأهل الإسلام.
وإذا عجز أهل البلد عن الانتصار على عدوهم، وجب على من يليهم من البلدان، الأقرب فالأقرب نصرهم، وكل من قعد عن نصرهم من المسلمين، مع قدرته على ذلك بالنفس أو المال، أو بكليهما، فهو آثم، كما سبق في مبحث حكم الجهاد.
وإذا عجز أهل البلد عن مقاومة العدو، ولم يقم بقية المسلمين بنصرتهم، وهي فرض عين عليهم، أو كانوا غير قادرين، فلهم بسبب عجزهم أن يعقدوا مع عدوهم هدنة مؤقتة، بحسب حاجتهم، لأن التكليف منوط في شرع الله بالقدرة، ومن لا قدرة له، لا يكلفه الله غير ما يستطيع: (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) )
ويجب مع ذلك أن يعدوا أنفسهم لاستئناف الجهاد عندما يشعرون بالقدرة عليه.
ويجب عليهم أن يقوموا بإعداد العدة التي يرهبون بها عدوهم ويعزموا على مجاهدته عند القدرة على ذلك، ولا يجوز لهم عقد الهدنة عازمين على الاستسلام الدائم وتمكين المعتدي من استعبادهم واستعباد أجيالهم.
ومعلوم أن طرد المحتلين من البلدان الإسلامية أو غيرها، لا يتم إلا بالصبر على إزهاق النفوس والأموال وتخريب الديار، وإهلاك الحرث والنسل، ولكن العاقبة تكون للصابرين المصابرين من أهل البلد المغتصب، لأنهم أهل حق، والمغتصبون أهل باطل، وأهل البلد أكثر ثباتا في بلدهم من عدوهم الطارئ عليه.
وفي التاريخ من ذلك عبر وبراهين، فقد اغتَصَبت إمبراطوريات، بلدانا كثيرة في العالم، وعاثت فيها فسادا، ولكنها في آخر الأمر انسحبت منها تجر أذيال الهزيمة.
ومن أقرب الدول الأوربية المغتصبة، في القرون الأخيرة، حيث لم يبق بلد في العالم غير مغتصب لدولة من دولها، وقد أخلت تلك البلدان كلها بسبب مقومة أهلها الجادة، وهذه بريطانيا التي كان يقال عنها: لا تغرب عنها الشمس، أصبحت شبيهة بضب مختف في جحره...
وكذلك فرنسا وألمانيا وهولندا والبرتغال....
ومن الأمثلة الحية لذلك هزيمة الطاغوت المتغطرس اليوم"أمريكا"في فيتنام..
ومن الأمثلة كذلك هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتفكك الدول التي كان قد ضمها إليه بالقوة والظلم.
ونحن واثقون بأن الفلسطينيين، لو اجتمعت كلمتهم، ووجدوا من يمدهم بالمال الذي يوفر لهم حاجاتهم الضرورية، ومنها السلاح المتيسر، فإنهم سينتصرون على عدوهم من اليهود، مهما طال الأمد، ومهما طغوا وأمدهم الأمريكان بالمال والسلاح، وغير ذلك... ولقد زلزل أقدام اليهود شباب باع نفسه لله تعالى، مع ضعفه المادي، وقلة عدده ومحاربة بعض أبناء بلده له، وتكاتف دول العالم ضده، وخذلان الدول العربية له.
ومع ذلك اضطر كثير من اليهود إلى الهجرة المعاكسة، وهي الهرب من فلسطين، إلى الخارج، بدلا من الهجرة القوية من الخارج إلى فلسطين، وأصيب اقتصاد اليهود بنكسة شديدة، وبدأ بعض أفراد الجيش يظهرون عصيانهم للحرب ضد الفلسطينيين، ويدعون غيرهم إلى الانضمام إليهم...
ومن لا يعلم بجهاد الشعب الجزائري ضد المغتصب الفرنسي، ثم انتصاره عليه في النهاية...وهكذا عامة دول العالم؟
الخلاصة: جواز الهدنة مع العدو لمصلحة راجحة شرعية، مع العزم على إقامة علم الجهاد والإعداد، ولا تجوز هدنة لا مصلحة فيها للمسلمين، بل فيها مضر أو استعباد.
ونقول للمجاهدين في البلدان الإسلامية وبخاصة فلسطين، إنه يجب أن يوازنوا بين استمرار جهادهم، وعدم الاستجابة للهدنة، وبين وقف الحرب ضد العدو وعقد هدنة معه، فإن رأوا أن المصلحة في استمرار في الجهاد، وأن الضرر الذي يترتب على ذلك، أقل مفسدة عليهم من الهدنة، فعليهم أن يستعينوا بالله ويستمروا في جهاد عدوهم.
وإن رأوا أن المصلحة في عقد الهدنة، وأن ما يترتب على ذلك أعظم مصلحة وأقل مفسدة من استمرار الجهاد المسلح، فليقدموا على الهدنة، ويجتهدوا في الإعداد لجهاد عدوهم مستقبلا.