ونحن نرى أن الصلح على أن تبقى البلاد التي سلبها اليهود من فلسطين تحت أيديهم وعلى عدم إعادة أهلها إليها لا يحقق إلا مصلحتهم، وليس فيه مصلحة للمسلمين.ولذلك لا نجيزه من الوجهة الشرعية إلا بشروط وقيود تحقق مصلحة المسلمين أما هذه الشروط والقيود فلا تتعرض لها، لأن غيرنا ممن اشتغل بهذه القضية أقدر على معرفتها وبيانها على وجه التفصيل منا والجواب عن السؤال الثاني إن الأحلاف والمعاهدات التي يعقدها المسلمون مع دول أخرى غير إسلامية جائزة من الناحية الشرعية إذا كانت في مصلحة المسلمين.أما إذا كانت لتأييد دولة معتدية على بلد إسلامي كاليهود المعتدين على فلسطين فإنه يكون تقوية لجانب المعتدي يستفيد من هذا الجانب في الاستمرار في اعتدائه، وربما في التوسع فيه أيضا، وذلك غير جائز شرعا ونفضل على هذه الأحلاف أن يتعاون المسلمون على رد أي اعتداء يقع على بلادهم، وأن يعقدوا فيما بينهم عهودا وأحلافا تظهرهم قولا وعملا يدا واحدة تبطش بكل من تحدثه نفسه بأن يهاجم أي بلد إسلامي.وإذا أضيف إلى هذه العهود والمواثيق التي لا يراد منها الاعتداء على أحد وإنما يراد منها منع الاعتداء السعي الحثيث - بكل وسيلة ممكنة في شراء الأسلحة من جميع الجهات التي تصنع الأسلحة، والمبادرة بصنع الأسلحة في بلادهم لتقوية الجيوش الإسلامية المتحالفة.فإن ذلك كله يكون أمرا واجبا وضروريا لضمان السلام الذي يسعى إليه المسلم، ويتمناه لبلده ولسائر البلاد الإسلامية بل ولغيرها من البلاد غير الإسلامية.
ويظهر أن لليهود موقفا خاصا فلم يعقد مع أهل فلسطين ولا أية حكومة إسلامية صلحا ولم تجل بعد عن الأرض المحتلة وهي موجودة بحكم سياسي.وهو الهدنة التي فرضتها الدول على الفريقين، ونزلت على حكمها الحكومات الإسلامية إلى أن يجدوا حلا عادلا للمسألة، ولم يرض بها اليهود ونقضوها باعتداءاتهم المتكررة التي لم تعد تخفى على أحد.وكل ما فعله المسلمون واعتبره اليهود اعتداء على حقوقهم هو محاصرتهم ومنع السلاح والذخيرة التي تمر ببلادهم عنهم.ولأجل أن نعرف حكم الشريعة في هذه المسألة نذكر أن ما يرسل إلى أهل الحرب نوعان.النوع الأول السلاح وما هو في حكمه. الثاني الطعام ونحوه وقد منع الفقهاء أن يرسل إليهم عن طريق البيع السلاح، لأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين، وكذا الكراع والحديد والخشب وكل ما يستفاد به في صنع الأسلحة سواء حصل ذلك قبل الموادعة أو بعدها، لأنها على شرف النقض والانقضاء فكانوا حربا علينا، ولا شك أن حال اليهود أقل شأنا من حال من وادعهم المسلمون مدة معينة على ترك القتال، وعلى فرض تسمية الهدنة موادعة فقد نقضها اليهود باعتداءاتهم ونقض الموادعة من جانب يبطلها ويحل الجانب الآخر منها - وأما النوع الثاني فقد قالوا إن القياس يقضي في الطعام والثوب ونحوهما بمنعها عنهم إلا أنا عرفنا بالنص حكمه وهو أن صلى الله عليه وسلم أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه - وقد ورد النص فيمن تربطه بالنبي صلة الرحم ولذلك أجابهم إلى طلبهم بعد أن ساءت حالتهم.وليس هذا حال اليهود في فلسطين. ولذلك نختار عدم جواز إرسال أي شيء إليهم أخذا بالقياس، فإن إرسال غير الأسلحة إليهم يقويهم ويغريهم على التشبث بموقفهم الذي لا تبرره الشريعة.
والله تعالى أعلم.