والشيخ رحمه الله قد بيّن حرمة الصلح الدائم مع اليهود ، وأكَّده في الفتوى ذاتها ، وفي بيانه لمراده - رحمه الله - في فتاوى لاحقة (6) ، وهذا الفرق يدركه العلماء ورجال السياسة ؛ ولذلك نجد اللجان الشرعية في حركة حماس الإسلامية ، تبني موقفها الحالي من الامتناع عن الصلح على موقف الكيان الصهيوني من عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الأمة المسلمة في أرضه كلها وماله ، وهو ما يفسِّر عدم جنوح قيادات الكيان الصهيوني للسلم ؛ بينما لو فعل ذلك ، فلن تجد حركة حماس ما يمنعها شرعا من الصلح ( الهدنة ) مع هذا الكيان .
هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن الضرب الثالث من هذا النوع ، وذلك الضرب هو: مسائل ورد بشأنها أحكام شرعية ، لكن احتف بها ما يقتضي عدم فعلها ، أو استثنائها من أحكام نظائرها . وهو من أهم مجالات السياسة الشرعية وأكثرها تطبيقا في واقعنا المعاصر ، ولذلك سأورد إن شاء الله تعالى في الحلقة القادة جملة مهمة من التطبيقات العصرية .
والله الموفق .
(1) ينظر: الموطأ ، للإمام مالك: ك/الأقضية ، ب/ القضاء في الضوال ، ح (51) .
(2) في قول صلى الله عليه وسلم لما سأله أعرابيٌّ: كيف ترى في ضالة الإبل ؟ فقال: (( دعها فإن معها حذاءها و سقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها ) )، رواه البخاري: ك/ اللقطة ، ب/ ضالة الغنم ، ح (2428) ؛ ومسلم: ك/ اللقطة ، في أول أحاديثها ولم يوضع فيه تحت باب ، ح (1722) .
(3) ينظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين: 362 .
(4) ينظر: السياسة الشرعية في الفقه الإسلامي ، لعبد الرحمن تاج: 82 ؛ و المدخل إلى السياسة الشرعية ، لعبد العال عطوه: 45 . ونشوز المرأة: عصيانها لزوجها ، وامتناعها عنه . ينظر: المصباح المنير ، للفيومي: (نشز) .
(5) ينظر: إجابة الغزّالي على سؤال المصيصي في: البحر المحيط ، للزركشي:6/258-259 ؛ و خطبة ابن حبان لكتابه: المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع ، وهي في: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، لعلاء الدين الفارسي:55 ؛ وينظر: مقدمة أستاذنا د. فؤاد عبد المنعم لكتاب: السياسة الشرعية ، لإبراهيم بن يحيى خليفة المشهور بِدده أفندي: 66 ؛ ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين:361 ؛ ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي ، لعبد السلام العسري:213 .
(6) ولعلّ من أسباب سوء فهم بعض طلبة العلم ، عدم إدراكهم للفرق بين مصطلح الصلح في الشريعة الإسلامية ، وفي القانون الدولي ، وبيانه: أنَّ المراد بـ ( الصلح ) بالمعنى القانوني الدولي ، هو: عقد اتفاق دائم بين الأطراف المتصالحة . بخلاف معنى الصلح في المصطلح الشرعي الذي يعد رديفا للهدنة في المصطلح الشرعي الفقهي الإسلامي وفي القانون الدولي . وقد بينت ذلك بتفصيل في الجواب على سؤال عن حكم التطبيع مع الكيان الصهيوني نشر في موقع المسلم من قبل ، وهذا رابطه: