فهرس الكتاب

الصفحة 12430 من 27364

ويقول الدكتور الزحيلي «الواقع أنه لا يوجد أي تناقض ولا تعارض بين آيات القتال ولا داعي للقول بوجود النسخ، لان النسخ لا ملجأ إلى القول به عند التعارض الحقيقي مع أن الايات تتلاقى جميعها عند حكم واحد وغاية واحدة فهي لذلك آيات محكمات» ، فيما يقول الدكتور القادري في تعريجه على مثل هذا المعنى «رجح المحققون عدم النسخ لأي مرحلة من المراحل الجهادية، وهو الظاهر» .

ويتعرض السرخسي في كتابه"شرح السير الكبير"إلى هذه المسالة تعرضاً واضحاً، مبيناً كيف تدرج الأمر بالقتال وأن ليس هناك نسخ ، فيقول «إن الأمر بالجهاد والقتال نزل مرتباً فقد كان صلى الله عليه وسلم مأموراً في الابتداء بتبليغ الرسالة والاعراض عن المشركين لقوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) ، وقال تعالى ( فاصفح الصفح ا لجميل ) ، ثم أُمر بالمجادلة بالتي هي احسن كقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقوله (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ، ثم أذن لهم في القتال بقوله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) ثم أمروا بالقتال إن كانت البداية منهم (من الأعداء) بالايات التي تلت ذلك ثم أمروا بالقتال بشرط انسلاخ الأشهر الحرم كما قال الله تعالى (فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) ثم أمروا بالقتال مطلقاً بقوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) فاستقر الامر على ذلك» .

ثالثاً: اتفاق الفقهاء على أن الجهاد اليوم فرض عين.

فقد تولدت شبهة عند البعض من استخدام لفظ فرض الكفاية، وأن الجهاد واجب البعض دون الآخرين، ويرى العلماء أن ذلك ليس صحيحاً، فإن الفقهاء عنوا في هذا اللفظ أنه إن كان البعض من المسلمين منهم كفاية لتحقيق أمر الجهاد وإعزاز أمر الإسلام فهم يغنون عن الآخرين، وإن لم يكن ذلك متحققاً بمن نفر من المسلمين فيظل الأمر واجباً حتى يتحقق معنى الجهاد وتأتي النتيجة لصالح المسلمين.

وقد قال الفقهاء في ذلك الكثير وبينه الدكتور القادري في كتابه الجهاد، مشيراً إلى أن «الجهاد فرض كفاية وفرض الكفاية هو الذي لايتعلق بكل مكلف عيناً، وإنما الفرض القيام به قياماً كافياً من طائفة منهم ، فاذا قامت هذه الطائفة بهذا الفرض قياماً كافياً سقط عن الباقين وإن لم تكف هذه الطائفة وجبت على المسلمين أن يُخرجوا من يكفي وإلا فيخرج جميع المسلمين - لقلّتهم مثلاً - (عندها يجب عليهم جميعاً الخروج) (..) ويأثمون بتركه فيصبح في هذه الحال فرض عين وعلى هذا القول عامة المذاهب وجمهور العلماء المسلمين» .

ويقول السرخسي رحمه الله «فريضة الجهاد على نوعين أحدهما فرض عين على كل من يقوى عليه بقدر طاقته وهو ما إذا كان النفير عاماً، قال تعالى (انفروا خفافاً وثقالاً) ولقوله ( ما لكم إذا قيل لكن انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) ، ونوع هو فرض على الكفاية إذا حصل المقصود بالبعض وإلا إن لم يحصل المقصود فهو فرض على الجميع» .

ويُعقّب الدكتور القادري على اقوال هؤلاء الفقهاء من أمثال ابن قدامة وابن حزم والنووي في مسألة الكفاية والعينية بالقول فرض الكفاية هو الفرض «الذي إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين أن تكون تلك الطائفة كافية للقيام به حتى يسقط وليس المراد مجرد قيام طائفة لو لم يكن قيامها كافياً فلا يصح اسقاط فرض الجهاد عن المسلمين كلهم بقيام طائفة منهم في جزء من الأرض ولو كفت في ذلك الجزء مع بقاء أجزاء أخرى ترتفع فيها راية للكفر فان كل جزء من تلك الاجزاء يجب على المسلمين القريبين منه أن يجاهدوا الكفرة فيه حتى يقهروهم فإذا لم يقدروا على قهرهم وجب على من يليهم من المسلمين أن ينفروا معهم ، وهكذا حتى تحصل الكفاية» ، ونقل عن حاشية ابن عابدين قوله «وإياك أن تتوهم أن فرضيته (الجهاد) تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم مثلاً، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع إلا بكل الناس فرض عيناً كصلاة وصوم» .

رابعاً: سبب آخر في فهمنا لفرضية الجهاد، وقيام حركة"حماس"الآن واجب، وهو إذا غزيت دار الإسلام وجب الجهاد ولو طال الزمان، وهذه الفرضية مؤكدة اليوم بالغزو الذي يكون من قبل الكفار لنا ولو طال زمان الغزو ، بمعنى تقادم الأمر وكان الجيل الأول من المسلمين متخاذلاً أو مقهوراً لا يستطيع رد الاعتداء فعلى الاجيال التي تأتي من بعد أن تسترجع ما أخذ بهذا الغزو من ديار الإسلام.

يقول الدكتور الزحيلي «إن كل ما دخل من البلاد في محيط سلطان الإسلام ونفذت فيها أحكامه وأقيمت شعائره قد صار من دار الإسلام ووجب على المسلمين عند الاعتداء عليه أن يدافعوا عنه وجوباً كفائياً بقدر الحاجة وإلا فوجوباً عينياً وكانوا كلهم آثمين بتركه وإن استيلاء الأجانب عليه لا يرفع عنهم وجوب القتال لاسترداده وان طال الزمان» ، ومقولة وإن طال الزمان تنطبق على فلسطين اليوم كما كانت تنطبق على حالة الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت