أ ـ أنّ انتصار الصهيونية في هذه الفترة وتحقيق أهدافها ومخطّطاتها لم يكن
انتصار رسالة على رسالة، ولا انتصار أمة على أمة، ولا انتصار دين على دين، ولا
حقّ على باطل، فإنّ اليهود ليست لهم أية رسالة في هذا العصر. كما لم يكن هناك
معركة بين اليهود والأمة الإسلامية، أو الشعوب العربية. فإنه لم يُسمح لهذه
الأمة، ولا لهذه الشعوب أن تخوض هذه المعركة وتبرز جدارتها وكوامنها، ولم يسمح
كذلك للإسلام بالخوض في حرب حزيران، بل عزل عن الميدان وأقصي عن ساحة الحرب
بتصميم وإرادة.
إنّ جلّ ما هنالك في ذاك الانتصار أنه انتصار أقدر قيادة على أخيب قيادة (9) .
ب ـ إن قضية فلسطين سهلة هيّنة، وانتصار العرب مضمون إذا كانوا أحراراً في
تصرّفهم. مالكين لزمامهم، مدبّرين لسياساتهم، مغامرين بأرواحهم وجنودهم،
محكِّمين لسيوفهم وأسنّتهم، واثقين بنصر الله، معتمدين على سواعدهم فقط،
متمرّدين على المادة والشهوات، مصمّمين على الكفاح والجهاد.
وعلى القضية أن تملك علينا المشاعر والتفكير وتغدو الهم الشاغل والهاجس الذي لا
يغادر.
يقول القاضي بهاء الدين المعروف بابن شدّاد المتوفى سنة 632هـ عن صلاح الدين
محرّر القدس من الصليبيين: «تاب عن المحرمات، وترك الملذات، ورأى أن الله خلقه
لأمر عظيم، لا يتفق معه اللهو والترف، ولقد كان حبّه للجهاد والشغف به قد
استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، حيث ما كان له حديث إلا فيه،
ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره
ويحثّه عليه، وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال) (10) .
مسؤولية فلسطين قد قسمت على شعوب كثيرة، ولكن ليس من شعب بأولى من شعب في تحمل
كل المسؤولية أو جلّها، فهي في النهاية مسؤولية الجميع.
2 ـ إشارات لها دلالتها:
اليهود الصهيونيون يعيثون فساداً وينفثون السموم، سمّهم عداوة وبغضاء، وحقد
وكراهية، ومكر وخداع، وقتل واستباحة وتشريد، وتلفيق وأكاذيب، كالحيّات السامة
القاتلة، ومن كان كذلك فحظّه القتل أنّى كان، كالحية الزعفاء، ولذلك قال النبي
صلى الله عليه وآله وسلم:"ما سالمناهنَّ منذ حاربناهنَّ ـ يعني الحيّات ـ"
ومَنْ ترك قتل شيء منهن خيفة فليس منّا" (11) . ويقول صلى الله عليه وآله وسلم"
:"من قتل حيّة فله سبع حسنات" (12) . وقال أيضاً:"اقتلوا الحيات كلّهن"
فاليهود الصهاينة لا يُسالمون على اختلاف أسمائهم وأسماء أحزابهم ، فهم في
الإيذاء جميعاً سواء ، قتلوا الأنبياء واعتدوا على الحرمات ، وكذبوا على الله ،
وشوهوا صور الملائكة ، ونالوا من الأبرياء ، ولم يسلم منهم الأطفال والنساء
العفيفات لقين منهم العنت وما من رذيلة إلا فعلوها . فيا أمة الخير لا لقاء مع
الشر ، إلا بمواجهة و مجاهدة ويا أمة الإيمان لا لقاء مع الكفر المعتدي الآثم
إلا مضارعة مقاتلِة ، ويا أمة الوفاء لا لقاء مع الغدر الحاقد الظالم إلا
مناورة مسالِحة .
3 ـ وللعربي الواعي فارس الخوري رأي:
نصيحتي لكل عربي ولكل مسلم ولكل عامل في الحقل الوطني والسياسي أن لا صلحَ مع
اليهود مهما يكن نوع الصلح ومداه ، فإن أي صلح مع اليهود مهما كان نوعه ، ومهما
يكن السم الذي يعنون به هو تضحية بالأمة العربية على مذبح الحماقة والجهل
والمطامع الوقتية ، وهو عار يلحق مرتكبه على مدى الأزمان ، لأنه سيكون حتماً
بداية القضاء على هذه الأمة وعلى جميع مقوماتها المادية والروحية .
ثم إن عقد الصلح مع اليهود سيجعل العرب مسؤولين دولياً عن المحافظة على الوضع
الذي سينشأ عن قيامه ويفقدهم حرية العمل ، ويجعل من العسير عليهم القيام في
المستقبل بأي عمل يرجى منه صيانة عروبة فلسطين فضلاً عن تحريرها .
ولا يصدقن أحد ما تردده دوائر الاستعمار من أن الصلح مع اليهود سيقر الأمن
والسلام في الشرق الأوسط كما تزعم الدول الاستعمارية وستضع حداً للمطامع
اليهودية في بقية الأقطار الأخرى ، لأن اليهود سيلجؤون لأساليب أخرى في القضاء
على الأمة العربية ـ لو تم صلح ما معهم ـ عن طريق نشر المبادئ والآراء والعقائد
والأخلاق التي تجافي آداب العرب وروح الإسلام والمسيحية في هذه الديار، مما
يسهل عليهم بمرور الزمان القضاء على الكيان العربي وعلى الروح الإسلامية القضاء
المبرم الذي لا نهوض بعده .
فليتدبر المسلمون والعرب أمرهم ، وليقاوموا أشد المقاومة كل فكرة لفرض صلح
عليهم مع اليهود ، وليستعدوا دائماً وأبداً للجولة الحاسمة ولو اقتضى الأمر من
الصبر قروناً وأجيالاً» (14) .
وأخيراً خاتمة:
نفحة من ذكرى القدس
يا أولى القبلتين، يا ثالث الحرمين، يا أيها المسجد الأقصى . ذكراك ذكرى
السَّعة والشمول ، إذ كنت القبلة أولاً لصلاة ترفع إلى الله ، ومن أوسع من الله
! ومن أشمل منه إذ يُتوجه إليه؟!
ذكراك ذكرى الحَصانة والحضانة ، فأنت ثالث الحرمين ، وقد جعلك الله حرماً يرمز
إلى أمان ، ومكاناً يعبِّر عن اطمئنان ، و مشعراً يشعر بالالتزام بما أمر به
الدَيَّان . ذكراك ذكرى الاستيعاب ، فما من حد إلا و أنت بحدودك له أقصى منه ،