فهي تختص بحال آخر وهو كون المسالمة ليست في مصلحة المسلمين وذلك عندما تكون بهم قوة يقهرون بها عدوهم فإنه لا تجوز المسالمة حينئذ لهذه الآية ولأن في هذا عدول عن الأصل المطلوب وهو إظهار دين الإسلام على ماعداه، لقوله: )وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( الانفال، وقوله: ) ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( الوبة والصف .
قال ابن كثير في تفسير آية الأنفال )وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ( قال:"قال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر( الآية، وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية ، وكما فعل النبي يوم الحديبية"
وقال ابن حجر في نفس الآية )وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ( قال:"هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين - إلى قوله - ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا".) فتح الباري 6/275-276.
فالآية المحتج بها دالة على مشروعية المسالمة عند الحاجة لا وجوب المسالمة.
هذا وقد اجمع علماء الإسلام على عدم جواز عقد معاهدات صلح مع إسرائيل . وذلك بناءً على موقف الشريعة من معاهدا الصلح والسلام في الإسلام.
لنأخذ بعض الفتاوى الصادرة عن الأزهر وعن كبار علماء الإسلام كمثال نؤكد من خلاله صحة دعوانا .
"في يناير سنة 1956م أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر برئاسة الشيخ حسنين مخلوف فتواها بشأن الموقف الإسلامي من إنشاء ما يُسمى، دولة إسرائيل ومن الدولة الاستعمارية التي تساندها ومن الصلح معها، وكان الجواب التالي:"
جواب لجنة الفتوى بالأزهر: اجتمعت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر في يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة 1375هـ الموافق (أول يناير سنة 1956م) برئاسة السيد صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف عضو جماعة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية سابقًا وعضوية السادة أصحاب الفضيلة الشيخ عيسى منون عضو جماعة كبار العلماء وشيخ كلية الشريعة سابقا (الشافعي المذهب) والشيخ محمد شلتوت عضو جماعة كبار العلماء (الحنفي المذهب) والشيخ محمد الطنيخي عضو جماعة كبار العلماء ومدير الوعظ والإرشاد (المالكي المذهب) والشيخ محمد عبد اللطيف السبطي عضو جماعة كب العلماء ومدير التفتيش بالأزهر (الحنبلي المذهب) وبحضور الشيخ زكريا البري أمين الفتوى.ونظرت في الاستفتاء الآتي وأصدرت فتواها التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد فقد اطلعت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف على الاستفتاء المقدم إليها عن حكم الشريعة الإسلامية في إبرام الصلح مع إسرائيل التي اغتصبت فلسطين من أهلها وأخرجتهم من ديارهم وشردتهم نساء وأطفالا وشيبًا وشبانًا في آفاق الأرض واستلبت أموالهم واقترفت أفظع الآثام في أماكن العبادة والآثار والمشاهد الإسلامية المقدسة وعن حكم التواد والتعاون مع دول الاستعمار التي ناصرتها وتناصرها في هذا العدوان الأثيم وأمدتها بالعون السياسي والمادي لإقامتها دولة يهودية في هذا القطر الإسلامي بين دول الإسلام وعن حكم الأحلاف التي تدعو إليها دول الاستعمار والتي في مراميها تمكين إسرائيل ومن ورائها الدول الاستعمارية أن توسع بها رقعتها وتستجلب بها المهاجرين إليها وفي ذلك تركيز لكيانها وتقوية لسلطانها مما يضيق الخناق على جيرانها ويزيد في تهديدها لهم ويهيئ للقضاء عليهم.