فهرس الكتاب

الصفحة 12506 من 27364

الأصل في العلاقة بين المسلمين والكفار هي العداوة والحرب وذلك لقوله - تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ) (الأنفال: 39) ، وقوله - تعالى: (( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ) (التوبة: 29) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وكلها تأمر أن يباشر المؤمنون القتال حتى يكون خضوع الجميع لدين الله وشرعه إما طوعاً وإما ذلاً وقهراً.

ولم يسمح الله - سبحانه وتعالى- لأمة الإسلام أن تدعوا إلى السلم مع الكفار إلا في إحدى حالتين:

أ- أن يذل الكفار ويضعفوا، وتخور قواهم، ويجنحوا إلى السلم، فعند ذلك يكون السلم في صالح المسلمين؛ لأن عقيدتهم أقوى، وفعلهم أكبر، وبذلك يفتح المجال لدخول الناس في الدين كما كان الشأن بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ حربهم في بدر، ثم أحد، ثم الخندق، ثم الحديبية، وقد بايع أصحابه على الموت في الحديبية لما أخبر بأن قريش قد قتلت سفيره عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ولم يجنح الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السلم مع قريش إلا بعد أن جنحوا له، وأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، وهذا لقوله - تعالى: (( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ) ) (الأنفال: 61) ، وكان هذا الصلح والسلام في صالح المؤمنين تماماً فقد دخل أكابر الناس في الإسلام في مدة الصلح.

ب- أن يكون الصلح من باب ارتكاب أخف الضررين، فيلجأ المسلمون إليه دفعاً لمصيبة أعظم كما هم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصالح غطفان على نصف ثمار المدينة حتى يفك تحالفهم مع قريش، وينفرد النبي صلى الله عليه وسلم بقتال قريش بعد ذلك.

أما في غير هاتين الحالتين فإنه لا يجوز للمسلمين الدعوة إلى السلام كأن يكون ركوناً للدنيا وكراهة للجهاد، أو خوفاً من كثرة الكفار، وذلك أن أهل الإيمان ينصرون مع قلتهم على الكفار على كثرتهم، وهذه سنة الله الجارية أبداً في عباده (( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) ) (البقرة: 249) ، (( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) ) (الفتح: 22-23) .

وأما الدعوة إلى السلم بمعنى ترك الحرب نهائياً، ومصالحة الكفار أبداً، ونبذ الحرب والقتال مطلقاً؛ فهذا كفر بالله - تعالى - مخرج من ملة الإسلام، وإلغاء لفريضة الجهاد التي جعلها الله فرضاً على كل مسلم إلى يوم القيامة كما قال - تعالى: (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) ) (البقرة: 216) ، وكتب بمعنى فرض، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) (رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي) .

فالجهاد ماض بعد فتح مكة إلى يوم القيامة، وهو إما خروج بالنفس وهذا الفرض العيني، وإما نية دائمة لكل مسلم يجب أن يصحبها دائماً، ويموت عليها، فيكون مستعداً لمزاولة القتال في كل حال، قائماً به في حالة الوجوب العيني، وإلا أثم إذا ترك الفرض العيني.

3)لا يجوز للإمام المسلم أن يشترط في صلحه مع الكفار شرطاً يخالف الكتاب والسنة ودين الإسلام:

معلوم من الإسلام ضرورة أنه لا يجوز للإمام والقائد المسلم في صلحه الجائز مع الكفار أن يشارطهم على شيء يخالف القرآن والسنة، وكل شرط يخالف هذه الأصول فإنه يقع باطلاً.

فالشروط التي يجوز اشتراطها مع الكفار هي الشروط الجائزة فقط، كعقد هدنة للحرب سواء كانت محددة بوقت محدد كما صالح الرسول صلى الله عليه وسلم قريشاً على وضع الحرب عشر سنين، أو كانت غير مؤقتة بوقت محدد كما صالح الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة ووادعهم دون تحديد هذا بزمن معين.

فالهدنة والصلح شرط جائز يجوز للإمام المسلم إبرامه مع الكفار، وكذلك مصالحتهم علي شيء يدفعونه للمسلمين أو شيء من المال يدفعه المسلمون اضطراراً أو نحو ذلك من الشروط الجائزة.

وأما الشروط الباطلة فمثالها أن يشارطهم على أن يتنازل المسلمون عن شيء من دينهم كالصلاة أو الصوم أو الجهاد، أو الحكم بما أنزل الله، فإن هذا ومثله كفر بالله - تعالى -، وتبديل لشرعه ودينه، وترك من المسلمين لدينهم وعقيدتهم من أجل إرضاء الكفار وهذا كفر بالله - تعالى -.

وكل معاهدة وصلح بين المسلمين والكفار تتضمن شروطاً باطلة فهي باطلة، وإن كان مئة شرط، بل إن أي شرط في أي عهد أو عقد بين مسلم ومسلم إذا تضمن شرطاً باطلاً ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يبطل هذا العقد أو الشرط، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله - عز وجل - فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق ) (متفق عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت