فهرس الكتاب

الصفحة 12980 من 27364

بحق نستطيع أن نقول بكل تأكيد: إن ضربات التغيير والتجديد.. أتت من داخل الكنيسة لا من خارجها، إن الإصلاحيين الكنسيين أو الدينيين أو المسيحيين قد مهدوا بهذه الضربات التغيرية والتجديدية لأكبر قاصمة قصمت ظهر الكنيسة، حيث كانوا الجسر الذي سيعبر عليه لاحقاً ملاحدة أروربا لضرب الدين والتدين نفسه، ولم يكن يدر في عقل"مارتن لوثر"و"كالفن"أو"رينيه ديكارت"و"ليبتز"و"إيمانويل كانط"وغيرهم أنهما بما قاما به من احتجاج ضد رجال الكنيسة قد حطموا (سلطان الدين) حينما حطموا سلطان رجاله!

ثم مرت السنوات وأصبحت الحركة الإصلاحية البروتستانتية، من أهم الأسباب التي نشرت ومكنت الإلحاد في أوروبا!

هذا هو تاريخ الأمم السابقة، ولو تأملت مثلاً- تاريخ المعتزلة في الإسلام، لوجدت أوائلهم من أشد الناس غيرة وحرصاً على الدفاع عن الدين والاستماتة في سبيله، وكانت لهم مواقف مشرفة في الوقوف في وجه الملاحدة والزنادقة من الدهريين والبراهمة وغيرهم، لكنهم ومن حيث لم يشعروا أخذوا في التأثر بمناهج هؤلاء بحجة استخدام نفس سلاحهم، حتى اعتنق كثير من رجالات المعتزلة عقائد خصومهم!

وها نحن في هذا العصر نجد أن أعداء الإسلام تحطموا أمام أسواره في كل مرة، وأيقنوا أنه لا حل إلا كما جرى على الأمم السابقة حذوا القذة بالقذة، فكان الخيار الإستراتيجي لهؤلاء هو:

(العمائم الليبرالية هي حصان طروادة الفعَّال)

ولعل هذا ما دفع الشيوعي"رفعت السعيد"إلى تأليف كتابه «عمائم ليبرالية» كأحياء وشكرٍ وعرفانٍ لرموز يزعم أنها متنورة ساهمت في تقويض داخلي خطير، ومن الذين ذكرهم: جمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وأمين الخولي، وعلي عبد الرازق وغيرهم.

وكلها عمائم دينية عملت بشكل فعال من داخل أسوار الدين، ولذلك أخبر محمد عبده أن أستاذه جمال الدين الإيراني الأفغاني- قال له: أنه لن يقطع عنق الدين إلا بسيف الدين نفسه!

وهذا ما أكده المفكر المسيحي"جورج طرابيشي"حيث قال في ربطٍ -ذا مغزى خطير- بين التاريخ الكنسي والتاريخ الإسلامي ما نصه: (ليس لنا أن نتصور فولتيراً عربياً بدون لوثر مسلم) !

وقال"رفعت السعيد"مؤكداً ذلك أيضاً وهو السبب الذي جعله يخلد ذكرى هؤلاء في كتابه الجديد، وأنه ألفه ليساهم: (في المعركة الدائرة لم تزل، والتي من فرط الظلام لفكري الذي فرضه المتأسلمون فرضت علينا أن نخوضها متراجعين ومتحصنين بآراء عمائم هي بالضرورة أعمق مرجعية وأكثر دراية بالشأن الديني) .

(دروس وعبر من السياق التاريخي السابق)

(1) من خلال هذا الاستعراض التاريخي الموجز ندرك أن كثيراً من الذين نقضوا الكنيسة هم من رجالاتها وأبنائها، وهم في الحقيقة أشد خطراً من غيرهم، فهم أعرف بخفاياها ونقاط الضعف فيها، ثم هم يمتلكون نفس آليات الصراع والمواجهة التي تملكها الكنيسة، فهم أعرف الناس بتفكيك منظومة الكنيسة الفكرية، وأقدر على تطوير آلياتها المحاربة، ومن ثم القضاء عليها بنفس أساليبها.

ومن يستعرض التاريخ المعاصر يجد أن أبلغ الحركات تأثيراً في المجتمعات الإسلامية والعربية، هي الحركات التي قادها رجال يحسبون على التيار الديني، من أمثال: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، قاسم أمين، رفاعة الطهطاوي.. وغيرهم.

إن العلمانية والحداثة.. أضعف من أن تشكل خطراً حقيقياً على الدين، لأن الناس دائماً ينظرون لهؤلاء على أنهم من خارج الأسوار، وعملاء، ومن المتنكرين للأمة، لكن من ينتمي للمدرسة الدينية"الجماعة المؤمنة"سيكون لديه قدرة على أشياء كثيرة، أقلها المتاجرة بهذا الانتماء.

(2) إن التيار الليبرالي والعلماني فشل فشلاً ذريعاً في استقطاب العلماء الكبار، كما فشل في استقطاب الشريحة العامة، لكنه نجح نجاحاً نسبياً في استقطاب قلة من الطبقة الوسطى وخاصة من طبقة الأذكياء الذين يعيشون مرحلة اضطراب وصراع غير محسوم، فكانت كتابات التيار الليبرالي مغرية له، ومؤثرة عليه، ككتابات عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وحسن حنفي، وجورج طرابيشي.. غيرهم.

(3) ما كان يقدمه الفيلسوف المشهور"رينيه ديكارت"من خدمات جليلة للكنيسة والبابا، وكان ديكارت يوصف بأنه متدين ومؤمن جداً بتعاليم رجال الدين، لكنه في الوقت نفسه كان يستظل تحت ظل الكنيسة ليمرر بعض أفكاره، مثل"الكوجيتو"أي الشك المنهجي، الذي استغله فيما بعد الملاحدة لتعميم الشك في كل شيء، ولم يكن ديكارت نفسه يريد أن يصل هذا الأمر إلى هذا الحد.

لقد استغل الملاحدة فكرة ديكارت في الشك، وأصبح ديكارت رمزاً للإلحاد، ويوصف بأنه رجل الكنيسة الذي ثبت جذور الإلحاد بالشك، وهدم صرح الإيمان.

ولعل ما تفطن له الدكتور"سلمان العودة"في حواره الهادئ مع الشيخ"محمد الغزالي"كان وجيهاً، حيث قال: (فرح بكتب الشيخ هذه كثير من أصحاب الفكر المنحرف؛ سواء كانوا يساريين أو علمانيين، أو غيرهم، فطاروا بها كل مطار، وصوروها ونشروها، ووزعوها ونشروا مقتطفات منها في كل وسيلة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت