فهرس الكتاب

الصفحة 13055 من 27364

والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر ، وهذا ظاهر على قول من يُجَوِّزُ أخذ الجزية من جميع الكفار، فلا يكرهون على الدخول في الدين ، بل إما أن يدخلوا في الدين ، وإما أن يعطوا الجزية كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة ، وإن استثنى هؤلاء بعضَ عبدة الأوثان.

ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له أنه لم يُكره أحداً على دينه قط ، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيماً على هدنته لم ينقض عهده .

بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له ، كما قال تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم ، فمَنَّ على بعضهم ، وأجلى بعضهم ، وقتل بعضهم ، وكذلك لما هادن قريشاً عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله ونقضوا عهده ، فعند ذلك عزاهم في ديارهم وكانوا هم يغزونه قبل ذلك ، كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق ويوم بدر أيضاً هم جاؤوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم"."

الوجه الثالث: قيل: إن الآية نزلت فيمن يكره ابنه على الكفر فنهى الله عن إكراههم على الكفر وهو يتوافق مع وجوب الدخول في الإسلام ..

الوجه الرابع: قيل: إن المراد بالآية لا إكراه بالباطل ، أما الإكراه بالحق فإنه من الدين ، وهل يقتل الكافر إلا على الدين قال -صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم-: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} . انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/310) .

الوجه الخامس: قيل: إن الآية منسوخة بآية القتال قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -رحمهُ اللهُ- .

الوجه السادس: هب أن الآية يفهم منها جواز التدين بأي دين فهي مقابلة لآيات كثيرة توجب على الناس جميعاً الدخول في الإسلام ، واتباع سنة سيد الأنام ، وتعليق الفلاح والنجاة على اتباعه واقتفاء أثره والسمع والطاعة له مما يدل دلاله قاطعة على أن من اتخذ ديناً غير دين محمد ، أو اتبع طريقاً غير طريقه فهو من الخاسرين والهالكين.

ومنهج الراسخين في العلم إرجاع المتشابه إلى المحكم ولزوم المحكم وترك المتشابه.

قال تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ 7} رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ {8} رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ {9}

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول ا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { هو الذي أنزل عليك الكتاب..}

قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) ).

هذه بعض الشبه التي يلبس بها الليبراليون على التعددية والحرية الفكرية والعقائدية ، وهي شبه واهية ، وحجج داحضة ..

والمقرر في الكتاب والسنة وأجمع عليه العلماء أن الإسلام أعطى المسلم حظه من الحرية فيما أباحه له وجوزه له ، أما ما أوجبه عليه فيلزمه الإتيان به إذا توفرت شروطه وتحققت أسبابه وتخلفت موانعه ، وكذا يلزمه اجتناب ما حرمه عليه وفق الضوابط السابقة..

أما التفلت وعدم الانضباط فلا يحقق أمناً ولا سعادة ، ولا هو مما يقره عقل سليم ولا شرع صحيح..

فلا يقر تفلت الليبرالية وتناقضها إلا عقل سقيم أو شرع مبدل ومحرف..

ولا يحتاج المسلمون إلى زبالة أذهان الفلاسفة ، ودهاقنة الغرب ، وتخبطات الضُّلاَّل ليبينوا لهم كيف يسعدون أو كيف يأمنون؟

فقد تجلت الأمور واتضحت ، وبان طريق الخير من الشر ، وانبلج الفجر لهذه الأمة منذ أن بعث رسول الله -صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم- فجاء بالهدى والنور ..

فمن اتبع النبي -صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم- وفقه دينه ، وابتعد عن الغلو والجفاء ، والإفراط والتفريط فإنَّ له السعادة والأمن التام في الدنيا والآخرة..

وبمقدار البعد عن هدي النبي -صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم- ودينه في أمور الدنيا والمعاش والتدين والتعبد يكون الشقاء واختلال الأمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت