لعل الدافع الأساس والرئيس لنزوع الليبرالي العربي نحو القطيعة مع تراثه وماضيه قد تأسس على الطريقة التي اعتمدها وهو يُعيد قراءتها من جديد، وهي طريقة تعوزها الحيدة والمنطق في آن؛ إذ إنه كان يقرأ التاريخ والثقافة العربية و «أوروبا» المتقدمة في رأسه، أي إنه قاس «الماضي» العربي على «حاضر» العالم الغربي المتقدم الآن، وهو خلل معياري كانت نتيجته الطبيعية والمترتبة عليه هو الحكم الظالم بجمود التراث أو تخلفه أو أي مرادف آخر لهما!! فهو يدَّعي أن ماضينا «متخلف» . ولكن ألم يسأل نفسه: متخلف بالنسبة لمن؟! أبالنسبة إلى الحاضر العربي الآن، أم بالنسبة إلى المنظومات الحضارية الأخرى التي عاصرت ماضينا نفسه؟! أم بالنسبة إلى الحضارة الغربية المعاصرة؟! إن «الأخير» هو الذي كان مهيمناً على عقل الليبرالي العربي، وهو ما جعله يطلق وصف «التخلف» على تراثه بالكامل!! بالإضافة إلى أن انتصار أوروبا عسكرياً ـ وكذلك تفوقها التقني ـ على معظم دول العالم الإسلامي منذ أواخر القرن الثامن عشر وإلى ما بعد الحرب العالمية الثانية زاد من حالة الانبهار بما تفرزه «أوروبا» ـ المنتصرة» من قيم ومفاهيم ونظريات ومدارس فكرية وفلسفية؛ مما رفعها ـ بمضي الوقت، في نظر المثقف الليبرالي، والأكثر انبهاراً بها ـ إلى مرتبة الحضارة «النموذج» التي تتحدث دائماً من موقع المصداقية، وتملك ـ من وجهة نظره ـ مشروعية الحكم على «المهزومين» ! ومن ثم نظر المثقف الليبرالي العربي إلى حاضره وماضيه من خلال نظرة أوروبا إليهما! ولا يخفى على أحد نظرة الاحتقار والازدراء التي كان ـ ولا يزال ـ ينظر بها إلينا العالم الغربي.
وفي ظل هذه الهيمنة الاستعلائية للنموذج الحضاري الغربي أثير هذا السؤال: «لماذا تأخرنا، وتقدم غيرنا؟!» . وفي غياب الوعي بالأسباب الحقيقية للتحديث اختار المثقف الليبرالي العربي الطريق الأسهل: وهو التقليد والتشبه بالغالب المنتصر، ويبدو أنها كانت حالة اختلط فيها «الوعي» بـ «اللاوعي» مدفوعة بروح الإعجاب بالغالب المنتصر، والمؤدية إلى التبعية الكاملة له والتبرؤ من كل ما يتعلق بالذات «العربية ـ الإسلامية» من خصوصية، وهوية واستقلال تاريخي، وأكثر تجسيداً لما صاغه ابن خلدون بـ «أن المغلوب يتبع الغالب في الملبس والمذهب» (1) ، ألم يقل أحد الليبراليين العرب بأن أوروبا المنتصرة: «هي المرشد الأول والقبلة التي يجب أن نحج إليها» ؟ (2) ، ألم يقل سلامة موسى: «فلنولِّ وجهنا شطر أوروبا.. ونجعل فلسفتنا وفق فلسفتها ونؤلف عائلاتنا على غرار عائلاتها» ؟ (1) أوَ لم يقل فرح أنطون: «يجب أن تكون مدارسنا كالمدارس الفرنسوية معزولة عن الدين عزلاً قطعياً» ؟ (2) .
هكذا كان حال المثقف الليبرالي العربي كما يصفه الباحث الليبرالي السوري هاشم صالح: «كالفلاح الفقير الذي يقف خجلاً بنفسه أمام الغني الموثر، يقف مثقفنا العربي أمام نظيره الغربي، وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق و (لغته غير الحضارية) ، و (دينه المتخلف) ويستحسن المثقف الغربي منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر حتى ليكاد يلعن نفسه أو يخرج من جلده لكي يصبح حضارياً أو حداثياً مقبولاً!» (3) . هذا الموقف ربما نلتمس العذر لأصحابه، وخاصة هؤلاء الذين عاشوا مناخ «الصدمة» التي أفقدت العقل العربي اتزانه في بدايات القرن الماضي حين أذهلته المنظومة الحضارية الغربية بتفوقها الهائل وديناميتها السريعة وهو ما أدى إلى سقوط المثقف العربي ـ دون أن يدري ـ إلى التبعية، ولكن بعد ذلك كان الوقت كافياً لالتقاط الأنفاس، وإعمال الفكر والنظر لاحتواء الصدمة، وانبثاق فكر ليبرالي جديد متحرر من تأثيرها، وغير ملتفت إلى فكر «التبعية» السابق عليه، والذي يمكن أن نقول إنه صيغ في إطار خصوصيته التاريخية؛ ولكن ما حدث هو إنتاج وإعادة إنتاج الفكر السابق (فكر القطيعة مع الهوية العربية الإسلامية) ، والوقوف عنده، دون تقديم جديد يستحق الاهتمام به، فما نقرؤه الآن هو النص نفسه الذي كتبه طه حسين، وسلامة موسى، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وغيرهم، ولكن منسوباً لأسماء جديدة دخلت عالم الفكر حديثاً.
فنحن حين نقرأ لأدونيس قوله بأن «الحداثة هي ظاهرة تتمثل في تجاوز القديم العربي لتصهره في قديم أشمل يوناني، مسيحي، كوني» (4) وحين نقرأ لفرج فودة قوله: «إن هوية مصر فرعونية، قبطية، إسلامية، متوسطية» (5) حينذاك نجد أنفسنا أمام الفكرة نفسها والنص نفسه الذي كتبه طه حسين من قبل في «مستقبل الثقافة في مصر» !
وكذلك حين نقرأ لـ «هشام ترابي» قوله بأن «التراث الذي ينبغي دراسته والحفاظ على إنجازاته هو التراث الذي صنعته الأجيال الثلاثة أو الأربعة الماضية» (6) فإننا نجده النص ذاته الذي كتبه من قبل سلامة موسى حين قال إن هدفه من النهضة: «هو تخريج الرجل العربي العصري الذي لا يرجع تاريخه إلى أكثر من خمسمائة سنة فقط» (7) .