فهرس الكتاب

الصفحة 13093 من 27364

لم تكن الكنيسة راغبة في قبول دعوة التصحيح والإصلاح والتجديد. كان"بيتر والدو"تاجراً غنياً تبرع بجميع أمواله للفقراء، وطفق يتجول ويعظ الناس ويصحح عقائدهم، وكانت أولى محاولاته منصبَّة على جعل الإنجيل سهلاً بالنسبة لمدارك عامة الناس.

لكن هذا أثار عليه سخط الكنيسة لأنها شعرت بأن سلطتها ستتقوض، فمنعت"بيتر والدو"من إلقاء المواعظ، ولما رفض؛ حرمته من حقوق الكنيسة.

لكن الكنسية قامت بخطوة حمقاء لما هاجمت بيتر والدو، وكان أجدى لها أن تحاول اجتذابه، لقد دفعته هجماتها عليه إلى أبعد مما كان يريد أن يذهب إليه، حيث انتهى إلى إعلان أن الكنيسة غير ضرورية ألبتة، وزاد عدد أتباعه وسموا أنفسهم"الوالديين"وهكذا بدأت حركة قوية ضد الكنيسة في فرنسا، ومن داخل الكنيسة.

وظهرت على أثرها حركات أخرى مثل: الألبيجنسيين، الكاثاريين، واعتقدوا جميعاً بوجوب منع القسم، وبأن الحكومة لا تستطيع أن تعاقب، وأن كل إنسان هو قسيس وأن الكنيسة الكاثوليكية ليست الكنيسة الحقيقية وإنما هي كنيسة الشيطان، و بغيّ بابل.

حاولت الكنيسة أن تقضي على الهرطقة بتعيين المفتشين الذين اندفعوا اندفاعاً أهوج في إحراق وتعذيب وسلب أموال الهراطقة، وانسحب أتباع"بيتر والدو"إلى وديان سويسرا حتى لا تصلهم يد أتباع الكنيسة، وهنالك أسسوا علاقات مع مصلحي سويسرا وألمانيا، وتضاعفت الحركة وشكلت ضغطاً كبيراً على الكنيسة.

وهكذا صار المصلح والمجدد عاصياً متمرداً، وبدأ الإصلاح بمعزل عن الكنيسة، وانصرمت ثلاثة قرون أخرى قبل أن تتلقى الكنيسة الضربة الكبرى على يد"مارتن لوثر".

لكن الكنيسة لم تتعلم من دروس التاريخ واستمرت في سياسة الاضطهاد، فتكاثر عليها الأعداء، وخرج عليها كثير من أبنائها.

فهذا"جون ويكليف"يهاجم الكنيسة، ورفض طاعتها، بعد اضطهاد الكنيسة له، ودفعته الكنيسة إلى مدى بعيد من العداء، وبدأ بكتابة كراس أكد فيه على أن الكنيسة يجب أن لا تتدخل في القضايا الوقتية، وأن القساوسة يجب ألا يملكوا أموالاً.

واستمرت الكنيسة في اضطهادها إياه حتى ذهب إلى أبعد من ذلك وأعلن أن البابا هو عدو المسيح، وأن تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه مجرد هراء.

وهذا"جون هاس"مصلح بوهيميا، دعا إلى إصلاح وتطهير الكنيسة من المخالفات الأخلاقية التي كان يرتكبها القساوسة، لكن الكنيسة هاجمته وحرمته من حقوق الكنيسة، فتعاظمت مكانته بين الناس، فزادت الكنيسة اضطهادها له فقبضت عليه وحوكم واحرق، وقد أثار قتله عداءً شديداً للكنيسة الكاثوليكية في بوهيميا.

لقد دفعت الكنيسة غالياً ثمن اضطهادها للهرطقة، إذ لم يمض قرن على إحراق وقتل"هاس"حتى ظهر قسيس ألماني شاب اسمه"مارتن لوثر"وهاجم فساد الكنيسة وبدأ بمهاجمة قبول المال مقابل غفران الخطايا وعلق خمساً وتسعين موعظة ضد ذلك على باب كنيسته، فأمره البابا بأن يرجع عن هذا إلا أنه رفض وكتب كراساً اسماه (تثقيف الناس) هاجم فيه مختلف مخازي الكنيسة.

واصدر البابا ضده وثيقة استهجن أعماله فيها ودعاه مرة أخرى إلى الرجوع عن أفكاره، ولكن"مارتن لوثر"كان عنيداً فذهب إلى أبعد من ذلك، حيث أحرق وثيقة الاستهجان علناً.

فلم يكن من البابا إلا أن استخدم آخر أسلحته وهو الحرمان من حقوق الكنيسة، ثم عقد البابا اجتماعاً وطلب من لوثر أن يرجع ويتوب من هرطقته، إلا أن لوثر أجاب بأنه لن يفعل ذلك إلا بعد أن تثبت له الكنيسة بموجب نص الإنجيل أنه كان مخطئاً، فصاح أنصار البابا والجنود، وقالوا: ألقوه في النار.. أحرقوه!

لكن لوثر نجا، واستمر خصامه مع روما أربع سنوات، وتبع لوثر الكثيرون من أبناء بلده، وكان الإمبراطور شارل قد وقع قراراً استهجن فيه تجاوزات"مارتن لوثر"، بيد أن الشعور العام كان مع لوثر إلى درجة أنه صار من المستحيل تنفيذ ذلك القرار.

وظهر في جنيف"جون كالفن"فأسس الكنيسة البروتستانتية، وصارت معارضة الكنيسة يوماً بعد يوم تزداد حتى أصبحت أقوى من أن تستطيع الكنيسة مقاومتها، وبدأت سلطة الكنيسة تتدهور في جميع أنحاء أوروبا.

في هذا الجو المليء بصراح داخلي كنسي، كانت هناك مجموعة من طلاب العلم الأذكياء الذين كانوا يراقبون بقلق هذا الصراع، بين القديم والجديد، فحاولوا التدخل للإصلاح، وصنع منهجٍ وسطي يصلح أن يكون جسراً يردم الهوة بين هؤلاء جميعاً، لقد كانوا متأثرين بمناهج الملحدين والعقلانيين، وفي نفس الوقت لم يردوا أن يفقدوا الإيمان كله!

فظهر"رينيه ديكارت"و"ليبتز"و"إيمانويل كانط"وغيرهم من الذين يقدرون المواقف الإيمانية لكن كانوا يغلفونها بأساليب عقلانية ترضي الطرفين، أرادوا أن يفلسفوا الإيمان، أرادوا أن يعقلنوا الدين، كي يصلح للجيل الجديد العقلاني!

لقد أستطاع هؤلاء بكل جدارة أن يسددوا الضربة الأخيرة للكنيسة، حيث أدخلوا العقائد المخالفة والمضادة باسم الدين أو الدفاع عنه، فسرت تلك الجراثيم في الدين نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت