واتساقاً مع ما سبق فقد دافع (فولتير) دفاعاً مريراً عن حرية الرأي بالنسبة للعقائد والأفكار؛ ولهذا تتردد له تلك المقولة الشهيرة: «أنا لا أوافقك القول، ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله» .
جون ستيورات مل:
يعد (جون ستيورات مل) منظِّر الليبرالية الأكبر والذي اهتم في كتابه (عن الحرية) بشرحها شرحاً وافياً، وقد حدد أن الغرض من كتابه هذه هو تقرير المبدأ الذي يحدد معاملة المجتمع للأفراد «ومضمون هذا المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرُّض بصفة فردية أو جماعية لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه؛ فإن الغاية الوحيدة التي تبرر ممارسة السلطة على أي عضو من أعضاء أي مجتمع مُتَمَدْيِن ضد رغبته هي منع الفرد من الإضرار بغيره. أما إذا كانت الغاية من ذلك هي الحيلولة دون تحقيق مصلحته الذاتية أدبيةً كانت أم ماديةً فإن ذلك ليس مبرراً كافياً؛ إذ إنه لا يجوز مطلقاً إجبار الفرد على أداء عملٍ ما، أو الامتناع عن عملٍ ما» (3) .
ولكن: ما الذي يمكن أن يحدد في سلوك الفرد ما هو قد يؤثر بالضرر على المجتمع أو لا يؤثر؟
يرى (جون ستيورات مل) أن هناك منطقة في حياة الفرد هي صميم الحرية البشرية، وليس للمجتمع بها إلا مصلحة غير مباشرة إن كانت له مصلحة على الإطلاق، وهي تتضمن:
أولاً: المجال الداخلي للوعي: وهذا يقتضي حرية العقيدة في أوسع معنى لها، وحرية الفكر والشعور، وحرية الرأي والميول في جميع الموضوعات عملية أو علمية، مادية أو أدبية، دينية أو دنيوية. وقد يتبادر إلى الأذهان أن حرية التعبير عن الآراء ونشرها يدخل في نطاق مبدأ آخر؛ إذ إنها تتعلق بتصرفات الفرد التي تمس الغير؛ ولكن لما كانت هذه الحرية لا تقل أهمية عن حرية الفكر نفسها إذ إنها تقوم على الأسباب نفسها؛ فلا يمكن إذن الفصل بينهما.
ثانياً: أن هذا المبدأ يتناول حرية الأذواق والمشارب: بمعنى أنه يطلق الحرية في رسم الخطة التي نسير عليها في حياتنا بما يتفق مع طباعنا، وأن نفعل ما نشاء، على أن نتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج دون أن يقف في طريقنا أحد من إخواننا في الإنسانية طالما كانت أفعالنا لا تنالهم بضرر حتى ولو اعتقدوا أن تصرفاتنا هذه دليل على السخف أو السفه أو الخطأ.
ثالثاً: إنه يتفرع من حرية كل فرد - وفي نطاق حدودها - حرية اجتماع الأفراد للتعاون على أي أمر ليس فيه ضرر للغير؛ على أن يكون الأشخاص المجتمعون بالغين راشدين لم يساقوا إلى الاجتماع بعنف أو إكراه» (4) .
وهو بعد ذلك يؤكد تماماً أنه «لا يمكن لأي مجتمع أن يتمتع بالحرية دون أن يكفل هذه الحريات بوجه عام مهما كان نظام الحكم فيه، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتمتع بحرية تامة ما لم تكفل هذه الحريات كاملة غير منقوصة» (5) .
وفي خطوة تالية يشرح (ستيورات مل) تناقضاته مع الديمقراطية ذاتها (والتي يشاع بين الكثيرين من الكُتَّاب والسياسيين لدينا أنها والليبرالية شيء واحد) فهو ينكر على الشعب استخدام أي وسيلة من وسائل الإجبار ضد حرية التعبير «أنكر على الشعب الحق في ممارسة مثل هذا الإجبار سواء عن طريقه أو عن طريق الحكومة؛ فمثل هذه السلطة غير مشروعة في ذاتها، ولا يجوز لأرقى الحكومات أو أقلها شأناً أن تلجأ إليها، وهي إذا صدرت بمشيئة الرأي العام فقد تكون أفظع وأشنع مما لو صدرت رغماً عنه وبمعارضته» (6) .
وتنطلق المسألة هنا أساساً من رؤيته الفلسفية العلمانية التي انتهت لديه إلى النسبية المعرفية والقيمية المطلقة، ومن ثمَ فإنه على كافة الناس والحكومات أن يتصرفوا على قدر طاقاتهم، وأن يبذلوا أقصى جهدهم؛ فليس هناك شيء يسمى التعيين المطلق، وإنما هناك ثقة كافية لتحقيق غايات الحياة البشرية، ويجوز لنا أو يجب علينا أن نفترض صحة آرائنا لكي نسترشد بها في تصرفاتنا.
وليس ثمة ما يمكن فصله عن البحث والنقاش والجدال بما في ذلك المعتقدات والقيم حتى لو اجتمعت الأجيال على صحة هذا المعتقد أو ذاك الرأي «فإنه من الواضح تماماً أن الأجيال ليست أكثر مناعة من الأفراد في الوقوع في الخطأ؛ فإن كل جيل مضى كان يعتنق كثيراً من الآراء التي اكتشفت زيفها وتفاهتها أجيال تالية» (7) ثم يعمل (ستيورات مل) بعد ذلك على اتخاذ مثل تاريخي بارز لانتصار المسيحية الغربية على معارضيها ليستخدمه في دحضها بعد ذلك؛ فالإمبراطور (مارقس أوربليوس) كان أكثر معاصريه علماً وأدباً وحرصاً على أن يسود العدل؛ وعلى الرغم من ذلك «كان من أشد الحكام اضطهاداً للمسيحية؛ فبالرغم من استيعابه لجميع علوم الأقدمين وتبحره في حكمة الأولين ومن اتساع تفكيره وبُعد نظره.. إلا أنه لم يدرك أن المسيحية ستعود بالخير لا بالشر على العالم» (1) .