فهرس الكتاب
وبالإضافة إلى توفير الرفاهة الاجتماعية سعت الحكومات الغربية في القرن 20 إلى تحقيق الرخاء وذلك"بإدارة"اقتصادهم. ويأتي ذلك مرة أخرى ضد التفكير الليبرالي الكلاسيكي، لا سيما السوق الحرة التي تعمل ذاتيا، ومبدأ"دعه يعمل"، أو سياسة عدم التدخل التي صرف النظر عنها من جراء تزايد الاقتصاد الرأسمالي الصناعي تعقيدا وعدم قدرته على تحقيق الرخاء إذا تُرك يعمل ذاتيا. وقد أدى الركود الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات الذي تسببه انهيار بورصة وول ستريت عام 1929 إلى معدلات عالية في البطالة في العالم الصناعي وكثير من الدول النامية. وكان ذلك تأكيدا لفشل السوق الحرة. وسارعت كل الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بتبني سياسات التدخل الاقتصادي لتجنب الرجوع إلى معدلات البطالة فيما قبل الحرب.
وكانت تلك السياسات مستوحاة لحد كبير من كتاب"النظرية العامة عن العمالة والمصلحة والمال (1936) "لجون ماينارد كينز الذي هاجم فكرة السوق الذي يعمل ذاتيا. وفي نظر الكلاسيكيين هناك حلول للمشكلات الاقتصادية فتنخفض البطالة مع انخفاض الأجور ولكنها تستمر على ما عليها إذا كانت مستويات الأجور غير مرنة، وذلك عادة يحدث ضغوط الاتحادات العمالية. فحرفيا حسب هذا الرأي يقيم العمال أنفسهم خارج وظيفتهم. وجاء كينز يقول: إن مستوى النشاط الاقتصادي، وبالتالي العمل يحدد حسب الحجم الكلي للطلب -الطلب الإجمالي- في الاقتصاد: إذا انخفضت الأجور تقل قوة الشراء في الاقتصاد، وبالتالي الطلب الإجمالي. وإذا قل المال في يد الناس قل إنتاج السلع والبضائع، وحينئذ تتحرك السوق الحرة لولبيا نحو الركود ولا يمكنها النهوض بنفسها. وذلك ما حدث في الثلاثينيات على حد قول كينز، وعلى خلاف ما سبقها من الدورات التجارية لم ينتهِ الركود الكبير إلى الارتفاع"الطبيعي"في الثروات الاقتصادية. ويرى كينز أن الحكومات يمكن أن تدير اقتصاداتها من خلال الطلب الإجمالي، فالصرف الحكومي عبارة عن إدخال مجالات جديدة من الطلب في الاقتصاد، فمثلا بناء المدارس يخلق فرص عمل للبناءين ويوجد الطلب على مواد البناء، مما يكون له الأثر في الاقتصاد فهؤلاء البناءون سيكون لهم القدرة أكثر على الشراء. وذلك ما يطلق عليه كينز"الأثر المضاعف". أما الضرائب فهي تعتبر"ارتدادا"في الاقتصاد؛ لأنها تقلل من الطلب الإجمالي وتخمد النشاط الاقتصادي.. وفي أوقات البطالة اقترح كينز أن الحكومة عليها أن"تنعش"الاقتصاد من خلال زيادة المصروفات العامة أو خفض الضرائب؛ فذلك يحل مشكلة البطالة، ولكن ليس"باليد الرأسمالية الخفية"، بل بتدخل الحكومة من خلال العجز في الميزانية؛ أي أن الحكومة تنفق أكثر مما لديها من موارد. وتمكن طريقة كينز في إدارة الطلب الحكومة من التحكم في العمل ومستويات النمو، وبالتالي ضمان الرخاء العام.
ومع توفير نظام الرفاهة الاجتماعية اعتبرت الليبرالية الحديثة إدارة الاقتصاد عملا بنّاء يعمل على تعزيز الرخاء والتوافق في المجتمع المدني. ولم يرفض كينز الرأسمالية ولكنه كان منقذها؛ ففي رأيه عدم تقييد المشروعات الخاصة شيء غير مُجدٍ في المجتمعات الصناعية المعقدة. وكان"البرنامج الجديد"في عهد روزفلت أول تطبيق لفكر كينز، ولكن تعهد روزفلت لميزانية متوازنة؛ حيث إن رفض زيادة الإنفاق الحكومي على الأشغال العامة من أجل رفع إيرادات الضرائب أدى إلى انخفاض تدريجي في معدلات البطالة. وفي الواقع انتهى الركود الكبير بالتوسع الملحوظ والمنتشر في المجال العسكري استعدادا للحرب، ولم يكن ذلك مقصودا لعلاج مشكلة البطالة. وبدا هذا الوضع جليا في ألمانيا عندما انخفضت معدلات البطالة إلى النصف في 18 شهرا بعد تعيين هتلر مستشارا في عام 1933. وتم معالجة البطالة في الفترة بين الحربين بدون قصد بالطريقة الكينزية.
وعلى صعيد آخر بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية رسخت مبادئ كينز على نطاق واسع لتصبح تقليدا اقتصاديا في الغرب بدلا من سياسة"دعه يعمل"القديمة. وبالفعل استخدمت كل الدول سياسة الإدارة الاقتصادية في إعادة البناء الاقتصادي في الفترة ما بعد الحرب وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وكان الفضل للكينزية التي كانت السبب الرئيسي في الازدهار الاقتصادي الطويل في الخمسينيات والستينيات؛ حيث الانتشار الواسع في الثراء، وذلك على الأقل في الدول الغربية. وانتصرت في تلك الفترة مبادئ كينز على مبادئ المحافظين والاشتراكيين حتى الليبراليين.