فهرس الكتاب

الصفحة 13199 من 27364

ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة، أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها"الوسط الجديد"والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي إلى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة، فبالنسبة لرجل الشارع فإن هذا الطريق هو الذي يطبق - حسب تعبير Bodo Hombach المستشار الخاص لشرودر - مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية، أي المساواة في الفرص وفي الدخل، حتى وإن كان ذلك حلمًا يسعى الجميع بجد لتحقيقه.

اقتصاد بلا أيدلوجية

يسعى المفهوم لتحقيق غايات أساسية:

-وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح، من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدًا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها، أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا (وهو ما رآه المعارضون تحريرًا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها) .

-تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب، كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية.

-اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكّن من مواجهة التأثيرات السلبية للأحادية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي.

-تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة، وأيضًا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها (وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكيف الهيكلي التي يدرّها البنك وصندوق النقد الدولي) .

-تبني المبادئ التي تنادي بأن دور الدولة يجب أن يوجّه أساسًا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية، أي وضع الدول أمام مسؤولياتها في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها.

هل حدث تقدم؟!

يمكن القول: إن الدول الأوروبية في المقام الأول - وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا - تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق، وفي ما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسدّ فجوات التطبيق وثغراته.

والطريق الثالث عند هذه الدول يُعَدّ مقياسًا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد، والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية، ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات تعليم وصحة وتأمين اجتماعي وإعانة المسنين والمتبطلين.

ومما لا شك فيه أن هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فهي ما زالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم، وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة، وأيضًا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية، خاصة الذين لا يشاركون في سوق العمل، مما شكل عبئًا كبيرًا على كاهلها، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا، أخذًا في الاعتبار هبوط الميزان الديمغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة.

الاختلاف حول طريقة الوصول

ولا يزال مفهوم الطريق الثالث في حاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفعليه وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم، بل أيضًا في دول العالم النامي؛ فالوسط الجديد يحتاج إلى الدولة، ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟

هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي، وتؤمن بالمنافسة العالمية؛ لأن المعلومات في مجال التكنولوجيا، كما أنها تؤمن بالابتكار، وتحدّ من سطوة جهازها البيروقراطي، وتلجأ إلى حلول مبتكرة، فإنها تستلهمها من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة.

ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال: إن هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فالأحزاب السياسية يجب في المرحلة القادمة أن تعكس مصالح الطبقة الوسطى، وأن تتبنى برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة.

كما على الدولة القيام بوضع سياسات عامة تطرح حلولاً جديدة، مثل: تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي أو الموسمي أو العمل المنزلي، ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية، وأن تزيد من مسؤوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم.

ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين أن الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية، بعبارة أخرى أن تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة، وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي:

-تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك.

-مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميَّين.

-حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت