فهرس الكتاب

الصفحة 13331 من 27364

بالطبع لا يعني ذلك أن محاولات أمريكا والغرب عموماً لـ (ليبرة) الإسلام بدأت منذ هذا التاريخ، فقد أشار كاتب إسلامي كبير في خمسينيات وستينيات القرن الميلادي الماضي إلى خطورة (الإسلام الأمريكي) الذي تحاول الولايات المتحدة إيجاد موطئ قدم له في العالم الإسلامي، وقد أشرت في مقالات سابقة إلى محاولات الغرب الدؤوبة لإيجاد إسلام (بروتستانتي) لا يثير العداء للغرب ولا يستفز المسلمين، خاصة الجهود التي بذلت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (2) .

ورغم الهجمة الأمريكية الشرسة والضغوط الغربية الهائلة التي تهدف إلى تمرير هذه المشروعات في عالمنا الإسلامي، فإني لم أجد جديداً أو غريباً في هذه المساعي، اللهم إلا في حجم التوجه ومقدار تكثيف الجهود في فترة زمنية محددة، ولكن الجديد حقاً كان في محيطنا الداخلي، وأعني به: ظهور فئة تنتسب إلى التيار الإسلامي (العامل) يَسِمُ أفرادها أنفسهم بأنهم (إسلاميون ليبراليون) .

ويبدو أن ضغوط الواقع الاستبدادي التسلطي، وضيق ـ أو اختناق ـ مساحات الحريات، وشيوع مناخات الأحادية والمصادرة... جعل كثيراً من أفراد هذه الفئة يسترقون السمع لأي دعوى حرية، حتى ولو كانت نابتة خارج إطارنا الإسلامي، حتى ولو كانت باسم (الليبرالية) . كنت أستغرب ـ ولا يُستغرب ـ أحدهم وهو ينعت نفسه بأنه (إسلامي ليبرالي) ، وكأنه يصف نفسه بأنه مسلم (شافعي) ، أو (مالكي) ، أو حتى (شيعي) ، أو كأنه ينسب نفسه بأنه (مسلم إندونيسي) أو (مسلم مغربي) ، كان لا يستهجن ذلك، في حين كانت كلماته تقرع أذني وكأنها (إسلامي ماركسي) أو (إسلامي بوذي) أو (إسلامي علماني) .

ومع استبعادي لعمالة هذا الشخص وأمثاله ـ أو حتى وعيه ـ للمشروع الأمريكي السابق ذكره، فإني على قناعة بأن أحدنا لا يفهم الإسلام، أو لا يفهم الليبرالية، أو لا يفهمهما معاً، هذا إذا كان هذا الشخص جاداً وصادقاً في كلامه.

وإذا كان المقام لا يتسع لعرض جميع أبعاد هذا الموضوع، فسأكتفي هنا بعرض وجهة نظري في الفرق بين الإسلام والليبرالية في أصولهما ومنطلقاتهما وما يترتب على ذلك من فروق على نطاق التصورات أو التطبيقات.

* الليبرالية والحريات.. الأصول والمنطلقات:

بداية فإنه لا يختلف أحد من الليبراليين (الأصوليين) على أن (الفكر الليبرالي) لا يقتصر على حقل الفكر السياسي، بل يمتد إلى ما هو أبعد منه، ليكوِّن فلسفة اجتماعية شاملة ترتبط بتوجهات محددة في مجالات الأخلاق وفلسفة العلم والقيم الاجتماعية والاقتصاد، إضافة إلى السياسة.

لقد لحق مفهوم الحرية ـ الذي ارتبط بالديمقراطية في المدن الإغريقية ـ تطور هائل من المدرسة الليبرالية، خصوصاً مع (جون لوك) في القرن السابع عشر؛ فالحرية في هذا المفهوم هي حرية الفرد، وهي الاعتراف له بمجال خاص لا يجوز التعدي عليه أو التدخل فيه؛ فالحرية هنا هي الاعتراف للفرد بحقوق طبيعية أو أساسية لا يجوز التعدي عليها ولو بموافقة الأكثرية: للفرد الحق في الحياة، في العقيدة، في التعبير، في الاجتماع، في الملكية، في التعاقد.. وهكذا لم يبق للحرية مفهوم إجرائي لاختيار الحكام، أو لأسلوب اتخاذ القرارات السياسية، بل أصبح للحرية مضمون حقوقي قانوني، هو الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان باعتباره إنساناً.. وهذا هو المفهوم الليبرالي للحرية.

فعندما نتحدث عن الحرية فإننا قد نقصد أموراً مختلفة، ويمكن تلخيص هذه المفاهيم المتعددة تحت ثلاثة مفاهيم: هناك ما يمكن أن نطلق عليه (الحرية الجمهورية) ، وهي تتطلب المشاركة في الحياة السياسية واختيار الحكام ومسؤولياتهم، وهي تقابل المفهوم المستقر للديمقراطية السياسية، وهذه تجد جذورها في الديمقراطيات الإغريقية أو ما يطلق عليه (كونستانت) الحرية بالمفهوم القديم.

وهناك من ناحية ثانية (الحرية الليبرالية) وهي تشير إلى الاعتراف بحقوق وحريات أساسية للأفراد لا يجوز الاعتداء عليها أو التعرض لها، وهي تقابل المفهوم الحديث للحرية عند (كونستانت) أو الحرية السلبية عند (برلين) ، وهي أيضاً ما يقابل ما يعرف حديثاً بـ (حقوق الإنسان) الأساسية كما صدر عن منظمات الأمم المتحدة في وثائقها المتعددة.

وأخيراً هناك ما يمكن أن نطلق عليه (الحرية المثالية) أو الحريات الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث يتعلق الأمر بضرورة تمكين الفرد من ممارسة حرياته، بتوفير حد أدنى من المستوى الاقتصادي وتقديم الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والخدمات العامة» (1) .

وإذا كان هذا الكلام يُظهر بعض الاختلاف في نظرة الليبراليين أنفسهم إلى (الحرية) ، إلا أنه يوضح أننا لا نستطيع أن نفصل مسيرة الحريات الليبرالية عن مسيرة حقوق الإنسان في الغرب؛ إذ تتشابك وتتداخل المفاهيم في كليهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت