فهرس الكتاب

الصفحة 13348 من 27364

وإذا كان العلمانيون يفعلون ذلك من جهتهم فإن الأغرب من ذلك هو ما يقوم به بعض الإسلاميين من الدعوة في هذا الاتجاه؛ حيث يفرق (فهمي هويدي) بين مستويين من العلمانية: العلمانية المتصالحة مع الدين... والعلمانية الرافضة للدين.

ويرى أن الفئة الأولى من العلمانيين لا تعارض العقيدة رغم تحفظها على تطبيق الشريعة الإسلامية في الواقع، ومن ثَم فلا مانع - كما يؤكد ـ من مد الجسور مع هؤلاء «ونفسح مجالاً للعلمانية المتصالحة مع الدين، ونفكر في تأصيل شرعي لهذا [عبارة عجيبة وكأن الخيارات العقلية تأتي أولاً ثم يتم البحث عن تأصيل شرعي لها من خلال التأويل القائم على الهوى طبعاً] وأظن أن ذلك ليس صعباً؛ فقد جاز لنا أن نقبل أهل الذمة. فهل يجوز لنا أن نقبل أناساً لهم تحفظات على علاقة الدين بالسياسة؟» (3) . وفي هذا السياق أيضاً فإنه يقبل الماركسيين الذين لا يرفضون الدين رغم تحفظاتهم على الشريعة الإسلامية.

أما الدكتور (محمد عمارة) فيقسم العلمانيين تقسيماً يختلف قليلاً عن هذا وإن كان يمضي في الاتجاه نفسه تماماً؛ فهناك «علمانيون (عملاء وثوريون) يهدفون إلى ربط المسلمين بعجلة الغرب أو إلى نقض الدين وإلغائه في واقع الحياة، والخلاف مع هؤلاء خلاف في «الأصول» . أما العلمانيون الآخرون فينادون فقط بفصل الدين عن الدولة والخلاف معهم خلاف في الفروع» (4) .

ثانياً: الإسلام الليبرالي من خلال الاستجابة للعمل الديمقراطي:

تبنِّي بعض الإسلاميين للديمقراطية:

حديث بعض الإسلاميين عن تبني الديمقراطية حديث يعود إلى حوالي عقدين من الزمان كتعبير من هؤلاء عن قبول الحل السلمي في الصراع السياسي مع الأنظمة القائمة مقابل الخيار المسلح الذي اتخذته بعض جماعات العنف في تلك المرحلة وتراوحت الدوافع بين التسليم الواقعي بضرورة اتخاذ هذا المسار كخيار وحيد مستطاع للمشاركة في العمل السياسي وبين الرغبة في استثمار الصراع القائم المنهك والمسيء للصورة لدى الغرب بين طرفين لا يعرف كلاهما سوى لغة العنف، ومن ثمَ الظهور بصورة الودعاء الطيبين الراغبين في العمل السياسي وفقاً للقواعد الغربية.

وعلى سبيل المثال فقد أقر «الدكتور صلاح الصاوي» التعامل المرحلي مع الديمقراطية، وذلك من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد بقوله: «إذا كانت العلمانية هي الشر الواقع لا محالة فإن العلمانية الديمقراطية أهون وأخف وطئاً من العلمانية الديكتاتورية» (5) .

وفي مارس 1994 أصدرت جماعة (الإخوان المسلمين) مجموعة من الوثائق - هي الأخطر في تاريخها من وجهة نظرنا - من بينها وثيقة بعنوان: «الشورى وتعدد الأحزاب في المجتمع المسلم» ، وقد تناولت الوثيقة رؤية الإخوان للديمقراطية والتعددية والعمل الحزبي، وانتهت إلى ما يلي:

أولاً: أن الأمة مصدر السلطات.

ثانياً: إقرار وجود دستور مكتوب يفصل بين السلطات وبحفظ الحريات.

ثالثاً: قيام مجلس أمة منتخب.

رابعاً: الدعوة إلى تعدد الأحزاب والتعددية السياسية.

خامساً: إقرار تداول السلطة عن طريق انتخابات برلمانية دورية.

أما (محمد سليم العوا) فذهب إلى أنه في ظل الطغيان في كل الحكومات والمجتمعات فلا بديل عن التعددية وهي واجبة - وليست جائزة فحسب (لا أدري من أين يأتي هؤلاء الكتاب بكل هذه الجرأة على إصدار مثل هذه الأحكام) - في الجماعات العاملة للإسلام والعاملة في السياسة والمجتمع الإسلامي، وانتهى إلى أن التعددية تعني أنه «لا يمكن منع الاتجاهات الأخرى كالعلمانيين والشيوعيين والملاحدة عن الوجود في المجتمع المعاصر، بل يجب منعهم من الدعوة إلى هدم النظام الإسلامي، ثم تركهم بعد ذلك وجمهور الناخبين؛ فإذا خدعوه كان الإسلاميون مقصرين في دعوة الناخبين وتبصيرهم، ولا يجوز أن يحملوا تقصيرهم وقعودهم عن الدعوة الصحيحة على الآخرين - فكل الاتجاهات تتنافس» (1) .

ويفرق (فهمي هويدي) بين ثلاث صور للعمل السياسي من المنظور التعددي:

الصورة الأولى: تظهر في العمل السياسي داخل الإطار الإسلامي، وتتمثل في تعدد الاتجاهات والاجتهادات الإسلامية.

أما الثانية: فتظهر في شكل فكر غير إسلامي يتحفظ على بعض جوانب الشريعة الإسلامية.

أما الثالثة: فتظهر في عمل خارج العقيدة الإسلامية ومضاد لها في الوقت ذاته.

ويرى هويدي أن الموقف من هذه الصيغ يكون كما يأتي:

أولاً: العمل السياسي للفئة الأولى مباح اتفاقاً.

ثانياً: العمل السياسي للفئة الثانية مباح ترجيحاً.

ثالثاً: العمل السياسي للفئة الثالثة محظور إجماعاً» (2) .

وكل ما أستطيع قوله هنا بالنسبة للكلام السابق هو أن أتساءل: من أين استمد (هويدي) هذه الرؤية؟ هل من الممكن أن يكون قد استمدها من المرجعية الإسلامية؟

التمييز بين مواقف الإسلاميين من الديمقراطية:

لا بد أن نميز بين عدة مواقف من الديمقراطية حتى يمكن تحديد ما نقصده بالتساوم على الإسلام من خلال مدخل قبول العمل الديمقراطي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت