من جهة أخرى، يقتصر مفهوم العلمانية لدى الكثير من الليبراليين العرب على حتمية تناقض العلم مع الدين، وذلك بالمفهوم الكلي لكل من العلم والدين، دون النظر إلى أي خصوصية لهذا الدين أو ذاك، أو بحث في أوجه الخلاف بين الدين الإسلامي ـ الذي يراد عزله ـ وبين المنهج العلمي التجريبي الذي كان قد نشأ أصلاً تحت مظلة الإسلام في عصره الذهبي. إذ لم يرد في التاريخ الإسلامي أي ذكر لاضطهاد العلماء باسم الإسلام، كما لم تنشأ خلال العصور الوسطى أي طبقة كهنوتية تُخضِع لسلطانها طبقة أخرى تسمى طبقة العلماء، بل نجد أن معظم العلماء المسلمين الذين نقل لنا التاريخ إبداعهم العلمي في أي من فروعه، كانوا قد نشؤوا على التربية الدينية السائدة في ذلك العصر، والتي تقضي بترسيخ القاعدة العلمية الدينية من علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة واللغة، قبل أن يتوجه طالب العلم لاختيار التخصص الذي يريده من علوم دينية أو تجريبية. ولم يحدث أن اشتكى أي من علماء الإسلام من التناقض الذي يمكن أن يحدث بين عقيدته الإيمانية والتزامه بتعاليمها السلوكية والشعائرية، وبين أبحاثه وتجاربه في كافة ميادين العلم التجريبي والطبيعي.
أما ما ينسب للإسلام من اضطهاد للفلاسفة فهو أمر خارج عن نطاق المقارنة؛ إذ لم يكن حظرُ معظم علماء الدين الإسلامي للفلسفة إلا حظراً لدراسة العقيدة بأدوات الفلسفة اليونانية التي كانت قد نشأت في مجتمع وثني لم يحظَ بنور الوحي والرسالة، وهو أمر لا يعدو أن يكون وضعاً للأمور في مكانها الصحيح، ولو أن البحث لم يتناول الإلهيات والغيبيات وظل مقتصراً على الجانب الطبيعي التجريبي لما وُجد في التاريخ الإسلامي شيء يُذكر مما يتشبث به النقاد، علماً أن الحظر الإسلامي للبحث الفلسفي لا يختلف في جوهره عن الحظر المطبق في الكثير من الدول الليبرالية اليوم على الفكر المناهض للثقافة الغربية.
2 ـ بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية. وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.
أما في النظام السياسي- الاقتصادي الإسلامي، فعلى الرغم من انحسار التطبيق العادل لتعاليم الإسلام في مراحل متعددة من التاريخ السياسي الإسلامي، إلا أن إلباس هذا التاريخ حُلّةَ الإقطاع الأوروبي ليس إلا محض عبث، وخصوصاً أن علماء الدين الإسلامي كانوا يشكلون صف المعارضة الأول للاستبداد السياسي على مرِّ العصور، ولم يكن التحالف المزعوم بين الفريقين على الشكل الذي يراد له أن يكون في قراءة الليبراليين لهذا التاريخ. فضلاً عن أن النظام الاقتصادي في المجتمع الإسلامي لم يكن إقطاعياً من أي وجه، ولا يمكن تبرير هذه القراءة للتاريخ بالنظر إلى أملاك السلطان وأصحاب الجاه مع غضِّ الطرف عن الحرية الاقتصادية في العمل والتملك، وانتشار الأوقاف التي كانت تزيد على كل ممتلكات السلطان - كما في بلاد الشام - وهذا أمر يتنافى مع أولى بديهيات الإقطاع.
3 ـ إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.
وفي المقابل نجد أن الليبراليين العرب قد تجاوزوا كل هذه المراحل سعياً لإحلال النظام السياسي الديمقراطي دون التعرض لليبرالية الأيديولوجية وسياقها التاريخي، بل لم يجد بعضهم ضيراً في الاستعانة بالخارج والاتِّكال على الغرب لإحلال هذا النظام بالقوة إن دعت الحاجة، دون التعرض لحقيقة نوايا هؤلاء الحلفاء وأطماعهم في المشرق الإسلامي التي لا يخفيها الغرب نفسه.