من دعوات هذا التيار المشبوهة والتي بدأت تتضح أبعادها ، وتتكشف ملامحها ، دعوتهم إلى (التسامح مع الآخر) والتي علا صوتهم بها ، وتتابعت كتاباتهم فيها ، والتسامح متى وضع في موضعه الصالح له واللائق به كان خلقا إسلاميا مندوبا إليه ، لا شك في ذلك ولا ارتياب ، شأنه في ذلك شأن غيره من الأخلاق ، لكنهم بما يسطرون اليوم يكشفون عن حقيقة دعوتهم المشبوهة هذه ، وأن التسامح المطلوب ليس هو ذاك التسامح الشرعي ، والذي جاء الحض عليه والأمر به ، كلا ، إنما هو لون جديد من التسامح ، أبعد مدى وأوسع مساحة ، إنه التسامح مع من اعتدى ، وأذل ، وأهان ، ووجه الصفعة بعد الصفعة ، وأعظم في الفرية ، ويدعون أن هذا سنة نبوية ، وطريقة محمدية ، فهل على الآخذ به من ملام ، وما علم القوم أن صلى الله عليه وسلم كان حكيما بل سيد الحكماء ، يزن الأمور بالعدل ، ويضع الدواء على الجرح ، ويقدر المصالح والعواقب ، فكما ترك ابن أبي سلول بلا عقاب ، أخذ عقبة بن أبي معيط بما أساء ، وكما قال لقريش: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) أمر بقتل ابن خطل ولو كان متعلقا بأستار الكعبة وهكذا ، فليس الأمر كما يراد تصويره ، تسامح مطلق ، أو عقاب مطلق، وإنما إلباس كل حدث لبوسه ، وإعطاء كل مسألة حقها ، وأحسب أن ما يجري اليوم من انتهاكات صارخة لدين الإسلام ونبي الإسلام لا محل فيه للتغافر والمسامحة والتجاوز ، وإنما الواجب القيام بالنصرة ، والغضب لله ، واستيفاء الحقوق ، أما دعوة الأمة إلى التغافل عن حجم المأساة ، والإعراض عن عظم الجريمة ، وفتح أبواب التسامح والمسامحة للمخطئين ، وأن يقتصر النقد -إن كان- على الكلمة الطيبة ، والعبارة اللينة ، والأسلوب الهادئ ، من غير جرح شعور ولا إيلام ، وكأن الأمة هي الجانية لا المجني عليها ، وكأننا من ظلمنا لا من ظُلمنا ، وكأن الاعتداء واقع منا لا بنا ، فليس بصحيح ولا مشروع ، بل بذله والحالة هذه مناقضة لمثل قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، والقوم ظالمون ما في ذلك من شك ، إن التسامح المشروع لا يكون إلا إذا صادف محلا مناسبا ، وإن أولئك المستهزئين بمقام صلى الله عليه وسلم ليسوا موضعا صالحا للتسامح ، وإن التسامح مع أولئك المجرمين جريمة شرعية لا يجوز أن يكون بحال ، وليس للأمة الحق في التنازل عن حقه الشريف r تحت لافتة التسامح والمسامحة ، وليت شعري أي عيش يبقى وأي حياة تطيب يوم يمس جناب صلى الله عليه وسلم والأمة تقف موقف المتفرج المتسامح ، المتغاضية عن صفعات الخصوم ، والتي لا تطالب بحقها ، فإن طلبته فعلى استحياء ، إن إجماع الأمة عامة منعقد على حرمة التسامح مع ساب صلى الله عليه وسلم ، وما قال عالم ولا شبه عالم بمثل ما يريده هؤلاء منا ، وفي كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية عظة وعبرة.
والقوم بدعوتهم للتسامح والتغافر والتجاوز عن الإساءة يلملمون ما تبقى من مشروعهم الخاسر التقارب والتقريب بين المسلم والكافر تحت شعارات التعايش والتسامح والسلام ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط إلغاء عقيدة الولاء والبراء ، وهم معذورون فيما يفعلون فالخطب جلل ، والأمر عظيم ، والأحداث تجري على خلاف الهوى والمخطط ، فليس لهم إلا هذا المركب الصعب ليركبوه ولعل وعسى ، لقد ظهر للجميع حقيقة حال (الآخر) ! منا ، واستبان للناس مدى الاحترام الذي تكنه صدروهم وقلوبهم لنا ولديننا ، وأن الأحقاد الصليبية لا تزال تتسكع على الجسد الأوروبي ، وأن النظرة السلبية للمسلمين لا زالت المسيطرة على المشهد الغربي ، وأنهم لا زالوا يعانون من عقدة (الإسلامافوبيا) ، وأقوال عقلائهم ومنصفيهم شاهدة بهذا وما أكثرها، وتاريخ الأمة السابق وواقعها المعاش خير شاهد ، وإن تغافل عن هذا كله المستغربون ولجوا وجعجعوا ، بالله عليكم أي حقد وبغض أظهر مما وقع وجرى حيال نبي أمة المليار مسلم ، وأي طعنة أنفذ وأنكى من هذه الطعنة ، وأي إهانة وصفعة وركلة أشد من هذه الإهانة ، ثم يكبر على أولئك الظالمين بعد هذا كله أن يقدموا كلمة (اعتذار) ، فكيف بما فوقه ، وقد اتضح للجميع أن مقام نبينا صلى الله عليه وسلموأمته من بعده لا تساوى عندهم شيئا في مقابل حقهم -المزعوم- في ممارسة حرية التعبير ، وإن فيما نرى من تسارع محموم لنشر صور الإفك هذه ، وذلك التعاضد والتناصر الذي يُرى ، والتصريحات العدائية التي نتلقاها عن اليمين والشمال لدلالة على أن الأمر أكبر مما نظن ، وأنه أوسع دائرة مما نحسب ، وصدق الله القائل (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ، ولكن أصحابنا من دعاة التسامح لا يعقلون.