فهرس الكتاب

الصفحة 13406 من 27364

ومن غريب ما يعتذر به القوم عن الإساءة الواقعة ، وما يقدمونه من تبريرات ، الزعم بأن ما وقع من سخرية واستهزاء عائد إلى طبيعة الدنماركيين المتفلتة ، وهوسهم بالتحرر والانطلاق ، وعشقهم لحرية التعبير ، مع عدم التدين ، وعدم الإيمان ، وأنه ليس ثمة حقد مزعوم ، ولا عداوة متوهمة ، ولا قضية بينهم وبين رسولنا r ، فلا ينبغي أن تُضخم المسألة ، وأن تُخرج عن هذا السياق فالأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم ، وعدم تقدير للعواقب ليس إلا ، وأن إخراج القضية عن هذا الإطار تصعيد لا مصلحة فيه ، بل هو تصعيد مقصود لأهداف تحتية ، ومصالح شخصية ، ومكاسب فئوية4 ، بل إثارة الموضوع أصلا وإخراجه من الصعيد المحلي الدنماركي ليكون شأنا عالميا غير صحيح ، وأن الواجب محاسبة المسؤولين عن هذه (الشوشرة العالمية) 5 التي لا فائدة فيها ، ولا أدري لما التغابي عما وقع ، ولما التعامي عما حدث ، ولما لا ينصف القوم ويُقروا بالحقائق كما هي بموضوعية وعدل ، وينظروا فيما يجري على الأرض كما هو ، لا أن يسعوا في لي عنق الأحداث لأفكار مسبّقة ، ويحملوا الواقع ما لا يحتمل ، ما نشر إساءة ، وما نشر دليل على صورة نمطية سلبية للإسلام ، وما نشر ينم عن عداوة مستقرة في النفوس ، هكذا هو الأمر ببساطة ومن غير تعقيد ، وبالله عليكم من نظر في تلكم الصور الآثمة هل يظن في راسمها أنه محب للنبي أو على الأقل محايد في نظرته إليه أم أنه مبغض له معاد؟ ألم يصوروه مرتديا عمامة على صورة قنبلة إشارة إلى دمويته وأنه لا يعدو أن يكون إرهابيا ، والإرهابي عدو! ، ألم يصوروه بصورة قبيحة حاملا في يده خنجرا كأنه جزار ومن خلفه امرأتان منقبتان ، بل صوروه بما هو أقبح وأشنع بأبي هو وأمي r ، أهكذا يصورون نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي من يزايد علينا ، ويريد إقناعنا بأنه ليس ثمة عداوة ولا حقد! ولا كراهية ولا شحناء! إن في هذا الاستهزاء المشين بمقام نبينا الأمين لدليلا على قبيح ما يضمرونه حيال نبينا وديننا ، وفي تصريحاتهم وكلماتهم ومواقفهم ما يدل على أن الأمر ليس تسلية بريئة ، أو تجاوزا ينبغي أن يتغاضى عنه ، كلا ، إنه خطأ ، وإنه اعتداء ، وإنه جريمة لا ينبغي السكوت عليها ، فأقصروا عن التبرير والمدافعة ، وانأوا بأنفسكم عن السقوط في هذه الهوة ، فإنها سقطة يوشك أن لا تقوموا بعدها ، فالناس تحفظ ، والتاريخ يسجل ، ولا مخرج لكم إلا إعلان البراءة مما سطرتموه ، ولعل وعسى.

من قبائح هذا التيار وأهله أنهم سعوا في مثل هذا الظرف الذي تعيشه الأمة إلى افتعال المعارك ، وإشعال الخصومات ، في محاولة لصرف المعركة الحاصلة بين المسلمين والمعتدين على جناب صلى الله عليه وسلم ، لتحول المسألة إلى لون من الاحتراب الداخلي ، هذا منتصر غالب ، وذاك منهزم خاسر ، هذا (ربيع المتطرفين) 6 ، وهذا أوان المتشددين (وصناع الكوابيس) 7 ، تصفية للحسابات ، وإلقاء للاتهامات ، وإنقاذا لما يمكن إنقاذه من مشاريع ومخططات ، فصوروا ما يُرى من ردة الفعل الشعبية ، وهذا الحراك العام تجاه ما وقع من عداء سافر ، بأنه كان بمؤامرة وتخطيط ، وأن الأمر قد بيت بليل بهيم ، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تحريكا من صناع الكوابيس أهل التباغض والعداوة والشحناء ، وأن الأمة قد تبع لهم كالقطيع يتبع راعيه ، من غير فكر ولا تروي ، سمعوا لهم وأطاعوا ، وأنصتوا إليهم وأجابوا ، وما علم القوم أن هذه الحمية التي وقعت ، وهذه الكراهية التي ظهرت ، إنما هي بسبب الغضبة الإيمانية التي تجري في شرايين هذه الأمة ، غضبا لله ورسوله ، والذي لا يكون المؤمن مؤمنا إلا به ، فليس ثمة استلاب مزعوم ، ولا تحريك مدعى إلا تحريك عقيدة الأمة للأمة ، وإلا بالله عليكم من حرك جمهور المسلمين للمقاطعة مثلا ، أفتوى أطلقها فلان أو فلان ، أو توجيه من علان ، أم الواقع شاهد بأنها حركة شعبية عامة ابتدأت منها وانتهت إليها ، ووجد المسلمون أنفسهم منقادين لها قياما بواجب نصرت صلى الله عليه وسلم وذبا عن حياضه ، إن الموقف من الرسو صلى الله عليه وسلم قضية جوهرية مشتركة بين كل منتسب للإسلام ، سنيا كان أو بدعيا ، عدلا كان أو فاسقا ، فلا يلام مسلم على غضب يغضبه أو كراهية وبغض تقع في قلبه متى مس مقام صلى الله عليه وسلم بتعد واستهزاء ، بل الملام من لم يغضبها ولم يمتلئ قلبه من الكراهية والبغضاء لكل متسبب فيها ، إن تصوير الحدث على هذا النحو تصوير مغلوط ، وإنه لمن سوء الظن بالناس ، وإنه لعقدة يجب عليهم أن يتخلوا عنها ، وطريقة يجب عليهم أن يتجنبوها ، إن الظرف حساس ، والأمر عظيم ، والانتهاك صارخ ، ونحن في غنى عن افتعال المعارك ، واستحداث الأزمات ، إن هَمّ المسلمين الأوحد هو الانتصار للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، على مختلف مذاهبهم ، وطرائقهم ، وفصائلهم ، فإن شئتم أن تكونوا معهم في سفينة النجاة فاركبوا بشرط أن تتركوها تجري وألا تسعوا في خرقها وإغراقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت