فهرس الكتاب
ومع ما تقدم فمن العجيب أن فقاعة (حرية التعبير) هذه لا تلبث أن تتوارى زائلة إن مس جناب اليهود ، أو طعن في السامية ، أو شكك في محرقة الهوليكوست ، ليعلم الجميع أن الحضارة الغربية حضارة ازدواجية ، حضارة الكيل بمكيالين ، لا أخلاق ولا قيم تقوم عليها ، ولا مبادئ تستمر عليها ، إنما القيمة المقدسة الوحيدة عندهم -على الحقيقة- المصلحة ليس إلا ، فأينما كانت المصلحة فثم دينهم وشرعهم ، وإن داسوا في سبيل تحصيلها على الأديان والمبادئ والقيم ، وانظر إليهم اليوم كيف يتواصون بحرية التعبير ويتنادون بها ، ثم يستنفرون العالم للضغط على الشعوب المسلمة لوقف ثورة الغضب وإنهاء حالة المقاطعة ، وكأن حق التعبير حق خاص بهم فقط ، وأن الشعوب المسلمة حقها الكبت والحرمان ، إن ما يجري على الساحة من منازعة ومخاصمة حول حرية التعبير وحدوده قد كشف عن سوءة العالم الغربي والحضارة الغربية ، وإن ما يرى من التهارج حول حرية التعبير لمحرج جدا لليبراليي الداخل ، الذين أفنوا أعمارهم في التغني بالقيم الغربية ، والحضارة الغربية ، ثم تفجؤهم اللطمة بعد اللطمة لعلهم يتنبهون ، ومن غفوتهم يستيقظون ، وعلى دينهم يقبلون ، فيطلعوا على زيف القيم ، وهشاشة الحضارة ، حضارة الغرب التي لا روح فيها ولا خلق ، حضارة اللادين التي لا تعرف معروفا لا تنكر منكرا إلا ما أشرب من هواها ، فيتوقفوا عن التوريد ، ويقاطعوا تلكم الأفكار ، ويكشفوا الزيف ، ويفضحوا الباطل ، فيكفروا عما تقدم من خطايا عسى أن يغفر لهم.
مما جعجع به الليبراليون وهولوا حوله الأغلبية الصامتة في المجتمعات المسلمة ، فما إن يقع لخصومهم من الإسلاميين انتصار إلا وتراهم يسارعون: لا تفرحوا ، فالجمهور ليسوا معكم ، و (الأغلبية صامتة) ، والناظر في العالم الإسلامي شرقا وغربا يشهد الحضور الشعبي الواسع الداعم للحركة الإسلامية لكن القوم يتعامون عنه ويصمون الآذان ، موهمين أنفسهم أن (الأغلبية الصامتة) معهم وأنها غير موافقة لما يدور على الساحة ، وما يقع على الأرض ، لكن اللافت للنظر في هذا الحدث أن الأمة كلها قد قالت كلمتها ، وعبرت عن رأيها بوضوح (إلا رسول ا صلى الله عليه وسلم ) ! وأجمعت على خيار المقاطعة الشعبية العامة للبضائع الدنماركية فماذا كانت النتيجة حين غدت الأمة (أغلبية ناطقة) ، لقد وسمهم أولئك بالغوغائية ، وقصر النظر ، وأنهم لا عقول لهم تحركهم وإنما المحرك العواطف ليس إلا ، وأنهم مسلوبوا العقول ، ولولا الخوف منهم لنطق العقلاء (وهم الليبراليون طبعا) وبينوا الواجب ، لكنهم خنسوا لجبنهم أدام الله عليهم الجن ، فإن تشجعوا وتكلموا فإشارة هنا وكليمة هناك ، وقذف للحجر من مكان بعيد ، والجرئ من يتستر خلف الألفاظ ويتوارى خلف المصطلحات ، فالهجوم اليوم على (صناع الكوابيس) ، (والمتطرفين) ، (والغوغاء) ، أما تحديد الحقائق ، وتسمية الأشياء بمسمياتها ، والوضوح الوضوح في النقد ، فهم عنه بمعزل ، أليس من الغريب أن دعاة (الرأي والرأي الآخر) قد ضاقوا ذرعا بالرأي الآخر ، فانبروا لـ (مقاطعة المقاطعة) مثلا ، رافعين شعار (لا لمقاطعة البضائع الدنماركية) 11 ، متنقصين بحماسة ظاهرة خيار الأمة في المقاطعة بأسلوب استفزازي ، تصل بصاحبها إلى حد اتهام الأمة بالسطحية والسذاجة ، ومتابعة العواطف دون العقول ، وأن ما يرى لا يعدو أن يكون ظاهرة صوتية ليس إلا ، وما الأمر إلا كزوبعة في فنجان ، هكذا تكون حماستهم لتسجيل مواقفهم في مصادمة الأمة والسبح ضد التيار بدل تسجيل المواقف في موافقة الحق الذي عليه سواد الأمة على مذهب (خالف تعرف) ! ، لينكشف للجميع أنهم ليسوا المؤهلين لنقل هم الأمة ، ونبض الشارع ، ومن يطالع طرحهم بهذا الخصوص يعلم أنهم ملفوظون على المستوى الشعبي ، وأن ما يسطرونه في هذا السياق محل رفض ومقاطعة.