(يبدو لي أن أول ما ينبغي إيضاحه منذ الآن ، هو أنه لم يكن عسيرا علي ، وليس عسيرا على أي قارئ غيري ، اكتشاف كون المؤلف"عبد الله القصيمي"خاضعا في معظم أفكاره وتأملاته وخواطره إلى عدد من الضغوط النفسية والفكرية العنيفة ، التي يصح أن نجعلها كلها في حالة أو وحدة تؤلف ما نسميه بالأزمة ، إذا لم نسمها عقدة ) .
(2) ويقول أدونيس ( شيخ الحداثيين ) :
( عبد الله القصيمي لا تستطيع أن تمسك به ، فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا ، يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا ، إنه الوجه والقفا ) .
(3) ويتحدث مخائيل نعيمة عن كتاب القصيمي ( العالم ليس عقلا ) فيقول:
( إنه كتاب هدم ونفي من الطراز الأول - هدم الآلهة والأخلاق والفضائل والثورات والمثل العليا والغايات الشريفة ، ولاعجب فأنت في أول فصل تنفي أن يكون لوجود الإنسان أي معنى ، والذي لا يعرف لوجود الإنسان ولعبقريته أي معنى كيف يكون لكلامه أي معنى ؟
إن قلمك ليقطر ألما ومرارة واشمئزازا وحقدا على خنوع الجماهير لا العباقرة ، ولو كان لمثل حقدك أن تصنع قنبلة لكانت أشد هولا من قنبلة هيروشيما ).
( شهادة القصيمي .... على نفسه بالمرض النفسي !! )
وهذه نصوص ننقلها لكم من كتاب القصيمي ( العالم ليس عقلا ) تبين مدى انهياره النفسي والعاطفي وما أصابه من عقد وأزمات، تخفي وراء الألفاظ الجميلة الأدبية ما تخفيه من ألم الحرمان، وصراع ومرض النفسي!
يقول القصيمي تحت عنوان ( قصيدة بلا عروض ) :
( إن كل دموع البشر تنصب في عيوني، وأحزانهم تتجمع في قلبي، وآلامهم تأكل أعضائي .. ليس لأني قديس، بل لأني مصاب بمرض الحساسية ) !!!
ويقول:
( دعوني أبكي فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء ، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان ، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه ، دعوني احتج على نفسي )
ويقول وهو يقصد نفسه:
( لا تسيئوا فهمه لا تنكروا عليه أن ينقد أو يتهم أو يعارض أو يتمرد أو يبالغ أو يقسو ... إنه ليس شريرا ولا عنيفا ولا عدوا ولا ملحدا ، ولكنه متألم حزين ، يبذل الحزن والألم بلا تدبير ولا تخطيط ، كما تبذل الزهرة أريجها أو الشمعة نورها ! لقد تناهى في حزنه وضعفه حتى بدا عنيفا ... ليس نقده إلا رثاء للعالم ورثاء لنفسه ، بل ليس نقده إلا تمزقا ذاتيا ) .
( ما هو موقف الناس من القصيمي ؟ )
يقف الناس بالأمس واليوم من عبد الله القصيمي وقفات مختلفة ... يمكن أن نوجزها فيما يلي كما يقول ( بعض الباحثين ) :
(1) أناس استنكروا واشمأزوا وقرفوا من القصيمي وآثاره ، وحجتهم أنه رجل ارتد إلي الإلحاد بعد الإيمان بالله ، وبعد الاندفاع في تعظيم القيم الروحية . وأنه بلغ حدا بعيدا في التطاول على المعتقدات الدينية والروحية والتراث الأخلاقي ، وراح يدعو جهرة إلى الإلحاد والهدم ، بروح ملؤها النقمة على كل شيء !
(2) وأناس آخرون قرأوا ما كتبه القصيمي بكثير من السخرية ، واتهموه أنه مجنون ، أو أنه مصاب بمرض نفساني ، وحجتهم أن ما يكتبه كله متناقض ، كل سطر ينقض الذي قبله ، وهذا فريق استمسك بأحكام المنطق والعقل .
(3) وفريق ثالث قرأوا ما كتبه القصيمي بإعجاب لأنه أتى بما لم يأت به أحد قبله - على حد تعبيرهم .
وهذا فريق من الشباب الناشئ الذي لم يؤت ثقافة واسعة يستطيع أن يرد الأمور بها إلى نصابها ..!
ويمكن أن نبين هذا التقسيم أكثر كالتالي:
(أ) فئة يمثلها العلماء والمشايخ وكبار المفكرين الإسلاميين ، وهذه الفئة لما نظرت في فكر القصيمي وتطاوله على الذات الإلهية ، وطعنه في صلى الله عليه وسلم ، وطعنه في الدين ، حكمت بضلاله وكفره وارتداده بما قام لديها من براهين وأدلة من مقاله وكتابته تدل على انسلاخه من الدين ، وانعتاقه من ربقة الإيمان .
وهذه الفئة لم تعول كثيرا على الطرح الأدبي أو الجانب العقلي التحليلي النقدي بل ركزت على صلب الموضوع أساس الحكم ، وهو عقيدة الرجل في الله والرسالة والدين ، فوجدته ينقض كل ذلك بكلام واضح جلي لا يمكن تأويله أو حمله على وجه حسن .
(ب) فئة يمثلها جهابذة النقد الأدبي والعقلي والمنطقي ، من تيارات مختلفة ومتباينة ( كالشيوعية ، والاشتراكية ، والليبرالية ، والحداثية ) وهؤلاء نظروا لإنتاج القصيمي من ناحية حكم العقل والمنطق ، ووصلوا إلى أن فكر الرجل سطحي ومبعثر ومتناقض ومضطرب ، ولا يعد فكرا أكثر من أن يعد أوهام نفسية ، واضطرابات عقلية .
(ج) فئة يمثلها الشباب المندفع في أحضان الفلسفات الغربية، والمعجب بالثورة على كل شيء، كما يمثلها أصحاب المراهقة الفكرية، أو العبثية، وهذه الفئة تنظر إلى القصيمي كمثال التحرر والثورة والانطلاق .
( القصيمي وإعادة نشر رفات الأموات ! )
بدأت ألاحظ هذه الأيام اهتمام متزايد بشخصية عبد الله القصيمي !
ليس اهتماما علميا، ينقد فكر الرجل وانتاجه، كلا ... بل هو اهتمام دعائي إعلامي ، يروج لفكر عبد الله القصيمي، ولشخصيته؛ غاضا النظر عن حقيقة الرجل وخطورته وتهافت أطروحته !