فالعلم الفكري هو الذي يبحث عن الحقائق في مجال العقائد والقضايا السياسية والحياة الاجتماعية، والحياة الاقتصادية أي هل الحق مع العقائد الدينية أو مع اللادينية (العلمانية) وهل نطبق في الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية النظام الرأسمالي أم الشيوعي أم الإسلامي ؟ وما هو التعريف الصحيح للحرية أو العدل ؟ وهل أصاب أو أخطأ هذا الفيلسوف أو ذاك في قوله ؟ وما هو موقفنا من الديمقراطية أو فصل الدين عن الدولة أو من الأحزاب السياسية ؟ وما هي مناهج الإصلاح الصحيحة ؟ وما هي الأسس الصحيحة للعلاقة الزوجية ؟ وكيف نربي أبناءنا ؟ وما هو الموقف الصحيح من الانتماءات العرقية ، وما في هذا العالم من عقائد أو أفكار وأنظمة وحكومات ؟ ومن هي قوى الخير والنور ؟ ومن هي قوى الشر والظلام ؟ ومن هو التقدمي ؟ ومن هو الرجعي ؟ ومن هو العالم ؟ ومن هو الجاهل ؟ فالعلم الفكري هو المبادئ والعقائد الصحيحة ، والجهل الفكري هو المبادئ والعقائد الخاطئة ، أما الحقائق المادية أي العلم المادي فهو الذي يتعلق بالأمور المادية مثل الكيمياء والفيزياء وعلم البحار والأحياء والطب والهندسة والحاسب الآلي والرياضيات والزراعة والتكنولوجيا والصناعة ... الخ وسنحاول أن نفرق في النقاط التالية بين العلم الفكري والعلم المادي:
1-الوصول إلى الحقائق المادية يتم من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج، أما الوصول للحقائق الفكرية فهو من خلال الأدلة الفكرية ، ففي العلم المادي يمكن من خلال مشاهدة تجربة غليان الماء عند 100 درجة مئوية في الظروف العادية أن نعتبر غليان الماء عند هذه الدرجة حقيقة مادية، أما بالنسبة للعلم الفكري فلا يمكن أن نحكم على صواب أو خطأ فكرة مثل هل لهذا الكون خالق؟ من خلال تجربة ومشاهدة واستنتاج، كما أن معرفة أي الأنظمة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية المناسبة لحياة البشر لا يمكن الوصول فيها إلى حقائق حاسمة من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج: وذلك لأن الإنسان لا يتصرف كما يتصرف الماء ( المادة ) : فبعض البشر يطغى ويتكبر إذا حصل على المال الكثير، وبعضهم يتواضع،وبعضهم كريم ، وبعضهم بخيل ، وبعضهم يحسن لمن أحسن إليه ، وبعضهم يقابل الإحسان بالإساءة ، فلا يمكن أن نستنتج حقائق فكرية ، فالنتائج متناقضة في حين أن كل ماء يغلي عند 100 درجة مئوية في الظروف العادية ، كما أننا حتى لو أخضعنا شعبا لتجارب فكرية بأن نجعله يطبق الرأسمالية لخمس سنوات ، ثم الإسلام ثم الشيوعية: ونكتب مشاهداتنا واستنتاجاتنا فإن ذلك لن يوصلنا إلى حقائق فكرية لأن التصرفات ستكون متناقضة ومختلفة فهناك عوامل كثيرة ستؤثر في هذه التجارب مثل: نوعية الشعب ، والظروف المحيطة ومن هم لجنة التحكيم؟ وهل تصرف الناس بإخلاص أو أظهروا خلاف ما نشاهد منهم وغير ذلك. قال الأستاذ العقاد:"أما العلوم الطبيعية"المادية"نفسها فليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية ، لأنها: من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل ، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع واحد من الموجودات" (1)
2-لا يختلف البشر حول الحقائق المادية في الطب والزراعة والكيمياء والهندسة ، فالجامعات والمدارس في الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية ، وفي روسيا الشيوعية ، وفي الدول الإسلامية تدرس نفس الحقائق المادية ، وهي متفقة عليها ، فعلماء الفيزياء على سبيل المثال متفقون على ما يعتبر حقائق مادية في علم الفيزياء ، وأثبتوا ذلك من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج ، في حين أن الاختلافات الفكرية بين المتخصصين في العلوم الفكرية كبيرة ولا يوجد حولها اتفاق فكري عالمي ، أو حتى محلي ، فهناك من يقول عن الرأسمالية أنها حق وصواب وهناك من يقول عنها باطل وخطأ وكذلك الأمر بالنسبة للإسلام والشيوعية والبوذية والهندوسية والنازية والعلمانية والتصوف والإلحاد ... الخ فالعالم كان ولا زال مختلفاً أشد الخلاف فيما هو حقائق فكرية ، بل لم يتفق البشر حتى يومنا هذا على صواب نظام اقتصادي أو اجتماعي ، بل حتى لم يتفقوا على تعريف واحد للحرية ، أو للعدل ، مع أننا نعيش في آخر القرن العشرين: ولدينا آلاف الجامعات والمفكرين قال د. ألكسيس كاريل:"إن كلا من الملحد والروحاني يتفقان على تحليل قطعة صوديوم كلورايد ( الملح ) ، ولكن شتان بين رأييهما حول الذات الإنسانية" (2)