فهرس الكتاب
4-الديكتاتورية وأخواتها: قد يبتسم بعض العلمانيين عندما نتهم العلمانية بالديكتاتورية ، وقد يتهمنا بأننا ظلمنا العلمانية لأنها تدعو للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ، ونقول أولاً العلمانية تدعو لاستخدام العقل في البحث عن الحقائق الفكرية ، فهي ليست في أساسها مع الديمقراطية ، ولا الديكتاتورية ، كما أن تطبيق الديمقراطية في الدول الغربية العلمانية لا ينفي تطبيق الديكتاتورية في الدول الشيوعية العلمانية وفي كثير من الدول النامية العلمانية ، كما أن في كثير من الدول العلمانية يتم رفض إعطاء حرية لأحزاب دينية ، بل يمنع تشكيل الجماعات والتجمعات الدينية ، هذا غير التدخل حتى في منع الحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات وأحياناً الحياة العامة ، ونحن كمسلمين مع الشورى وحكم الأغلبية وحقوق الأقلية والانتخابات وحرية الرأي ولكننا ضد العلمانية ، فالقول بأن الدول الغربية الديمقراطية هي الدول العلمانية الصحيحة أما بقية الدول العلمانية الديكتاتورية فليست دولاً علمانية هو خطأ شائع ، فأغلب الدول الديكتاتورية في العالم هي دول علمانية فهي في مرجعيتها الديكتاتورية لا ترجع في أغلبيتها الساحقة إلى دين سماوي في اختيار دستورها وقوانينها وأهدافها وسياستها ، بل تتحكم فيها آراء عقلية علمانية لحاكم أو حزب أو عرق أو طبقة أو عصابة ، وأهدافهم هي أهداف دنيوية مادية أي علمانية ، وليست دينية ، وفشل العلمانية في الوصول إلى علم فكري شامل عقائدي وسياسي واقتصادي واجتماعي جعل الباب مفتوحاً لكل علماني ، ولكل دولة علمانية أن تختار ما تشاء من دساتير وقوانين ، ولهذا نجد دولاً ديمقراطية ، ودولاً ديكتاتورية ، وما بينهما ، ونجد مختلف ألوان الطيف الاجتماعي وكل أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة ، وكل أنواع الشعارات وجميع الأهداف المتناقضة ، فالمخلصون العلمانيون يتخبطون في كل هذا عن جهل ، كما أن أصحاب النوايا الفاسدة يستغلون الفوضى العلمانية والجنون العلماني لاختيار ما يشاؤون من دساتير وقوانين لتحقيق مصالحهم وتبرير ديكتاتوريتهم فالعلمانية فتحت الباب لكل انحراف ومنها الديكتاتورية لأنه لا توجد حقائق فكرية بل توجد آراء ، فما دام الأمر كذلك فاختر ما شئت من آراء ، وكل عقيدة باطلة استفادت من الضياع العلماني في إيجاد فلسفة لها جعلها تبدو كأنها علمياً صحيحة، ولو كان هناك اقتناع بأن الإسلام هو الحقائق الفكرية لعرفنا أن الشورى واجبة وأن دماء الناس وأموالهم حرام وأن العصبية العرقية جاهلية منتنة ، وأن التعصب الطبقي للأغنياء أو الفقراء جاهلية مرفوضة وأن حرية الرأي قضية بديهية ... الخ وبالتالي فالمخلص سيعرف الطريق إلى الديمقراطية والعدل والحرية والمنحرف لن يسهل عليه الخداع أو المتاجرة ، ونحن لا نريد أن نظلم العلمانية ونقول أنها دعت الناس للديكتاتورية ، فهي لم تدعهم لا للديمقراطية ولا للديكتاتورية ولكنها ساهمت بصورة أساسية في انتشار الديكتاتورية لأن العقل البشري المخلص قد يتبنى أنظمة ديكتاتورية وهو يعتقد أنها حقائق فكرية وأنها الديمقراطية"الحقيقة"كما حصل مع الشيوعيين المخلصين ، حيث طبقوا أسوأ ديكتاتورية عرفتها البشرية ، وأقنعتهم عقولهم بأن تحطيم المعارضة والحرية الإعلامية هو عمل مشروع لأنه جزء من الصراع الطبقي ، وجزء من حماية الثورة والوطن .. الخ وكان الشيوعيين يدعون أنهم أهل العلمانية الحقيقية ، وأنهم أهل العقل والعلمية ، وسيطروا على دول كثيرة بل كانوا يحكمون حوالي نصف البشر ، والعلمانية هي التي أعطتهم الشرعية الفكرية التي يحتاجونها لأنها جعلت العقل البشري يبتعد عن الله سبحانه وتعالى ، وكلما ابتعد أكثر كلما تطرف أكثر ، وصار أكثر ديكتاتورية ، وما ينطبق على الديكتاتورية ينطبق على الانحرافات الأخرى وأرجو أن نقتنع بأن العلمانية فتحت أبواباً كبيرة للانحرافات وللصراع الوطني والقومي والعالمي ، فكل انحراف سواء كان ديكتاتورية، أو ظلماً أو غروراً أو مخدرات أو وزناً أو اختلاساً .. الخ فالعلمانية شجعته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولا يقتصر ذلك على الانحرافات الحديثة بل ينطبق على كل انحراف قديم أيضاً كان فاعله يتصرف بناء على عقله بدون التزام صحيح بالأديان السماوية بل حتى الانحرافات التي تنسب للدين قديماً وحديثاً فإن أصحابها اتبعوا عقولهم ، ولم يتبعوا الدين لأن الدين الصحيح لا يأمر بالانحراف والظلم ، والمبررات العقلية الخاطئة كما ذكرنا سابقاً تعطي الشرعية الوهمية لكل انحراف ، فإذا قلت لأحدهم لماذا تشتري هذه السيارة غالية الثمن ؟ لقال أنا حر في مالي وإذا قلت لبلد لماذا تعطون هذه الرواتب المتدنية للعمالة الوافدة ؟ لقالوا الاقتصاد حر ، أو إذا لم يعجبه الأجر فليترك البلد فالمطار مفتوح والأمثلة كثيرة جداً ، وقد يقول قائل أن الانحرافات تحدث حتى في المجتمعات المسلمة وعند أفراد مسلمين ، ونقول نعم ولكن الإسلام لا يعطيها شرعية وموافقة في حين أن الانحرافات جزء من الفكر العلماني لأنه يفتح المجال لعقائد باطلة كالشيوعية والنازية والرأسمالية ،