فهرس الكتاب

الصفحة 13905 من 27364

ولا شك أيضا أن المطلع على هذا المدخل المهم بالذات، سوف يندهش أو يُستفز عندما يجد أن طه عبد الرحمن لم يذكر المبادئ التي اشتهر تداولها في أوساط الدارسين لظاهرة الحداثة مثل مبدأ العقلانية ومبدأ الذاتية ومبدأ الفردانية ومبدأ الإنسانية ومبدأ الحرية ومبدأ العلمانية وغيرها، حيث يعُدُّ طه عبد الرحمن بعض هذه المبادئ متفرعا على المبادئ التي ارتضاها، وبعضها يدخل ضمن ما يسميه مُسلمات التطبيق الحداثي الغربي.

وأحد هذه المبادئ المبتذلة، يضيف مبدأ العقلانية الذي غلب على الدارسين من العرب والمسلمين أن يجعلوه المبدأ الأساسي المحدد لحقيقة الحداثة، مقلدين في ذلك أساتذتهم من نقاد الغرب، والواقع أن العقلانية تندرج ضمن الأصول الثلاثة التي أخذ بها المؤلف في تحديد روح الحداثة، حيث تندرج في مبدأ النقد باعتبارها وسيلة له، وتندرج في مبدأ الرشد باعتبارها أصلا له، وتندرج في مبدأ الشمول باعتبارها سببا فيه؛ مما يُخوِّل له الاستغناء عنها كمبدأ مستقل بنفسه، إذ تنزل رتبة غير رتبتها، فهي أعم، وهذه المبادئ أخص؛ والذين جعلوا العقلانية واحدا من مبادئ الحداثة إنما وقعوا في تضييق مدلولها، حتى حصروها في النظر الآلي أو الأداتي وحده، مع التذكير بأن العقلانية لم تختص بها الحداثة الغربية كما يُزعَم، ولا لها شكل واحد ولا لها مرتبة واحدة، بل إنها ظلت كل يقظة حضارية تَحقَّق بها الإنسان على مدى تاريخه الطويل. وبالنسبة لتخصيص الحداثة بها، فهو خطأ ناتج عن التقديس الذي أحاطه بها بعضهم.

الحداثة تُبتَكر من الداخل

وتتفرع على طبيعة التعريف الذي ساقه المؤلف لروح الحداثة عدة أمور نوجزها في النتائج التالية:

كون روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة.

وأن واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة.

أن روح الحداثة متأصلة إنسانيا وتاريخيا.

أن الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة.

أن واقع المجتمعات الإسلامية هو أقرب إلى الحداثة المُقلِّدة منه إلى الحداثة المبدِعة.

أن الحداثة لا تُنقل من الخارج، وإنما تُبتَكر من الداخل.

وأخيرا، كون ابتكار الحداثة الإسلامية الداخلية يستلزم إبطال المسلمات التي صاحَبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف أركان هذه الروح، ولا يسعنا إلا أن نسرد استشهادا موجزا لهذا الإبطال، وجاء في ست نقاط:

-إبطال مُسلّمات الاستقلال الغربي: وصاية الأقوى ليست عناية بالأضعف، والوصاية في الداخل قد لا تكون وصاية رجال الدين.

-وإبطال مسلمات الإبداع الغربي؛ فالإبداع لا يقتضي الانقطاع المطلق؛ لأن الحداثة الحقة هي حداثة قِيَم لا حداثة زمن.

-وإبطال مسلمات التعقيل الغربي؛ لأن العقل لا يعقل كل شيء.

-وإبطال مسلمات التفصيل الغربي لا إطلاق في الفصل بين الحداثة والدين، ولا إطلاق في الفصل بين العقل والدين ولا محو للقدسية من أفق الإنسان.

-وإبطال مسلمات التوسع الغربي: التطبيق الغربي لروح الحداثة ليس واقعا حتميا؛ لأن الإنسان أقوى من هذا التطبيق.

-وأخيرا، إبطال مسلمات التعميم الغربي: روح الحداثة لا توجب التفكير الفرداني، والحداثة العلمانية لا تحفظ حُرمة الأديان، وليست كونية قِيَم الحداثة الغربية كونية إطلاقية، وإنما كونية سياقية.

لماذا الحداثة الإسلامية؟

لِمَ الاشتغال بالتطبيق الإسلامي لروح الحداثة، وقد انتقلت الإنسانية من طور الحداثة إلى طور ما بعد حداثة؟ اعتراض مشروع على الأطروحة الناظمة لكتاب"روح الحداثة"، وقد خُصِّصت خاتمة أحدث مؤلفات طه عبد الرحمن وجاءت تحت عنوان سؤال المشروعية للرد على ذلك، ويجيب الدكتور"طه"عن هذا الاعتراض على أربع مراتب هي:

كيف أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى أن تتعامل مع المفاهيم المخترَعة التي شاع تداولها عند الأمم الأخرى، وأن تخرّجَها على قواعد مجالها التداولي، بدءا من الحداثة وما بعد الحداثة.

وكيف أن مفهوم ما بعد حداثة ليس له معنى واحد، وإنما له معان عدة.

وكيف أن وجود الطور الحداثي والطور ما بعد الحداثي يقضي بافتراض أصل مشترك ينبنيان عليه، وهذا الأصل هو بالذات روح الحداثة.

وأخيرا كيف أن التطبيق الإسلامي لروح الحداثة لا يكتفي بأن يكون واحدا من تطبيقاتها الممكنة، بل أيضا يهدف إلى الارتقاء بالفعل الحداثي.

وبعد أن فرغ من بيان هذه المراتب الأربع، يخلص إلى أن الاشتغال بالتطبيق الإسلامي لروح الحداثة اشتغال لا يقل مشروعية عن الاشتغال بالتطبيق الغربي لهذه الروح.

الحداثة الإسلامية وتجديد الخطاب الديني ذاتيًّا

عبد القادر قلاتي

الفكر الإنساني بلا تجديد ركود ناشز، فطبيعة الإنسان وفطرته تدعو إلى التجديد والتطوير، بل تعتبر عملية التجديد نسيج متلاحم للفكر الإنساني على اختلاف الأنساق الفكرية والعقدية، وهو شريان من شرايين البقاء في الحياة على صورة من العيش الكريم، ومعايشة التطور البشري بجميع أشكاله، سواء تلك التي يكون للإنسان دخل فيها، أم تلك التي يكون مجبرًا عليها، مساقًا إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت