وقد يكون غريبا التأكيد على هذه المسألة التي قد تبدو للبعض امرا بديهيا ولكننا اذا تذكرنا عددا من استنتاجات الباحثين والمفكرين المحدثين والمعاصرين بصدد المقدمة، عرفنا ان تأكيدا كهذا ضروري كنوع من إعادة الامر الى نصابه بعد أن جنحت به التحليلات الخاطئة التي لم تقف عند حد إقامة جدار عازل أو حفر خندق عميق بين الاسلامية و (المقدمة) في المنهج والمعطيات، وانما مضت خطوات أكثر تطرفا بجعلها (المقدمة) بشكل من الاشكال، نقيضة للاسلامية.
اننا نجد ـ مثلاـ ان احد الباحثين الغربيين وهو دي بوير T. J. de Boe r (الهولندي) يذكر (ان الدين لم يؤثر في آراء ابن خلدون العلمية بقدر ما أثرت الارسطوطاليسية الافلاطونية) ويشير باحث آخر هو تاتنيل شميت N. Snhmidt الاستاذ بجامعة كورنل بامريكا الى ان ابن خلدون «اذا كان يذكر خلال بحثه كثيرا من آيات القرآن، فليس لذكره علاقة جوهرية بتدليله، ولعله يذكرها فقط ليحمل قارئه على الاعتقاد بأنه في بحثه متفق مع نصوص القرآن» (5) . وثمة مستشرق الماني هو فون فيسندنك Von Wesendonk يقول ان ابن خلدون «تحرر من اصفاد التقاليد الاسلامية في درس شؤون الدولة والادارة وغيرهما، وانه حرر ذهنه ـ كذلك ـ من القيود الفكرية التي ارتبطت في عصره بالعقائد العربية الصحيحة» (6) .
وبهذا سيكون المنهج العلمي لابن خلدون متشكلا من الفراغ وستكون روحه العلمية في حالة انشقاق عن مطالب الرؤية العقيدية للاسلام الذي ينتمي اليه، وستكون النتيجة النهائية ان (العلمية) لا صلة لها (بالاسلامية) بل قد تكون في حالة اصطراع معها، وقد يقود هذا الى تكرار الصورة المحزنة للصراع بين العلم والدين والى ان يوضع ابن خلدون في قائمة واحدة مع برونو ونيكوس وغاليلية، والى جعل الحضارة الاسلامية وجها آخر للحضارة النصرانية بقدر ما يتعلق الأمر بطبيعة الارتباط بين العلم والايمان.
بل ان التحليل المادي للتاريخ يمضي خطوة أبعد فيحاول ان يصور منهج ابن خلدون كما لو كان منهجا جدليا ومعطياته كما لو انها وليدة رؤية للعالم والظواهر والاشياء لا علاقة لها بالاسلامية من قريب أو بعيد، بل هي نقيضة لها من أول الرحلة حتى منتهاها.
إننا نقرأ ـ على سبيل المثال ـ واحدة من المحاولات الاكثر حداثة في هذا السياق (في علمية الفكر الخلدوني) (7) ونجد الناشر يلخص المحاولة بالاستنتاج التالي: أن «ثورة ابن خلدون الفكرية تكمن، في انه حرر الفكر التاريخي من هيمنة الفكر الديني، بان اكتشف في واقعات التاريخ عقلها المادي فأحل ضرورة العمران محل الله ـ او ما يشبهه ـ في تفسير الظاهرات جميعا، فاستبدل التأويل بالتفسير، فكان التفسير بالضرورة ماديا، وكان علميا من حيث هو مادي، دون ان يعني هذا رفضا للدين او الشرع ومبادئه، فالشرع شيء والتاريخ او العمران ـ شيء آخر، وليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولئن دخل الشرع، أو الدين: في حقل العمران او التاريخ كما هو واقع الامر في المقدمة فكأمر عمراني او تاريخي مادي لا كأمر غيبي أو الهي. وينظر فيه حينئذ بعين العمران وقوانينه، لا بعين الدين ومبادئه، او بعين الشرع واحكامه فلمسائل الشرع منطقها ولمسائل العمران والتاريخ منطقها، ولا يصح، الخلط بين المنطقين» )8 ) .
والمسألة في أساسها ليست لعبة لجر الحبل بين الاسلاميين والطرف الآخر نصرانيا كان أم علمانيا أم ماديا، لكنها محاولة للاضاءة يتبين من خلالها الموقع الذي وقف عليه ابن خلدون، والدائرة التي تحرك في إطارها.
وفي حالة كهذه فأن تفنيد حجج الاخرين سيتضمن ابتداء - موافقة على الدخول في اللعبة. ومن أجل الا نمسك بالحبل من طرفه الاخر لكي نجر الينا ابن خلدون بطريقة متعسفة، فان علينا ان نتابع بعض الملامح المنهجية والموضوعية في معطياته لكي نعرف الارضية التي ينشط عليها، دونما حاجة لاقناع الاخرين او ارغامهم ـ بقوة الشد ـ على إعادة الفكر الخلدوني الينا.
والمدى واسع، وما قاله ابن خلدون في هذا السياق اوسع بكثير من أن تتحمله صفحات بحث كهذا. ولذا سيكون الايجاز أمرا لا مفر منه وستتحرك المقاطع التالية على محاور أساسية ثلاثة فحسب في الفكر الخلدوني من بين محاور عديدة اخرى، مؤشرة على علمية الرجل، وعلى إرتباط هذه العملية بمنظوره الاسلامي الاصيل: النشاط المعرفي، الرؤية التربوية، وحركة التاريخ.
أولا: النشاط المعرفي
في حيث ابن خلدون عن طبيعة النشاط المعرفي، وضوابطه، لا يكفي أن نقول بأنه كان يملك (روحا علميا) ولكن أن نضيف الى هذا صفة (الاسلامية) التي كانت تشكل هذه الروح وترسم ملامحها.