فهرس الكتاب

الصفحة 13922 من 27364

يصدر ابن خلدون في نظرته للانسان، والتعامل التربوي معه بالتالي عن رؤية اسلامية واضحة تضع هذا الكائن المتفرد في مكانه الحق من العالم.

وهو يؤكد ويعيد تأكيده المرة تلو المرة، على تميز الانسان بالفكر الذي وهبه الله اياه، متجاوزا «النظرة التجزيئية للانسان، متعاملا معه بمكوناته كافة: العقل والروح والوجدان والحس والغرائز والجسم، دونما عزل أو نفي أو فصل أو تقطيع، الانسان كما خلقه الله سبحانه وكما اراد له ان يكون.. كما يؤكد حتمية النبوات التي أعان الله الانسان بها على اكتشاف الطريق، وعلى استخلافه العمراني في العالم، وتسخير العالم، بطاقاته وسننه، لهذا المخلوق المستخلف عن الله في الارض، لكي يقدر على مواصلة مهمته في التقدم والتحضر والاعمار. (26)

هذه هي الخطوط الاساسية، أو مراكز الثقل الخمسة التي تميز التصور الاسلامي للانسان، عن سائر المذاهب والتصورات، والتي تنبثق عنها بالضرورة طبيعة التربية التي يتحتم اعتمادها لتنمية قدرات هذا الكائن وتمكينه من أداء مهمته في الأرض، كما تنبثق عنها ملامح وأسس نظرية للمعرفة تتميز هي الاخرى عن سائر النظريات الوضعية، باتساع مداها وتجاوزه لظواهر الاشياء صوب عالم الباطن والغيب.

ويحمل التعليم قيمته الاساسية في مقدمة ابن خلدون من حيث انه ضرورة من ضرورات الاجماع البشري، وأداء لابد منها لتمكين الجماعة من التحقق بالعيش والرفاهية من خلال الخبرات والصنائع التي تنالها بالتعليم. بل أن الأمر ليتجاوز هذا كله فيغدو التعليم ضرورة لقبول ما جاء به الانبياء عليهم السلام والانتماء لدعواتهم. من خلال نظرة إسلامية شمولية يطل بها أبن خلدون على قيمة التعليم فيجدها تمتد كلي تشمل الارض والسماء، الدنيا والاخرة على السواء وتلك هي بحق واحدة من أهم ملامح التربية الاسلامية، بل أهمها على الاطلاق (27) .

ويقف ابن خلدون طويلا «عند قيمة العمل ـ الذي تبرمجه وتؤكده الممارسة التربوية التعليمية ـ ويراه ضرورة من ضرورات العمران، ثم هو كعادته يعالجه من زاوية رؤياه الاسلامية ويبلغ به الامر القول بأن قيمة الاشياء انما تقاس بمقدار ما بذل فيها من عمل، وهو يربط ـ كذلك ـ بين مبدأ التسخير الذي يعرض له كتاب الله للانسان في هذا العالم، وحيثما تلفتنا وجدنا الرجل يولي العمل قيمة كبرى كواحد من الوسائل الاساسية لتحقيق مهمة الانسان في الارض واستخلافه العمراني في العالم على عين اله وهدى انبيائه عليهم السلام (28) .

حتى اذا ما بلغنا المسائل المباشرة الاكثر ارتباطا بالعملية التربوية التعليمية وجدنا ابن خلدون يقدم مادة طيبة، ويقف وقفات قد تطول وقد تقصر عند هذه المسألة أو تلك من مسائل التربية والتعليم.

انه يرى حتمية وجود (المعلم) كطرف اساسي في هذه العملية، سواء استهدفت تخريج العلماء أم الصناع (29) . ليس المعلم فحسب ولكنه المعلم الجيد هو المطلوب لتحقيق النتيجة الافضل. ونجد ابن خلدون يركز المسالة بمبدأ واضح بسيط ولكنه ضروري، أنه (على قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون المتعلم) وهكذا يحتل المعلم مكانه المناسب.

والمهمة التي يمارسها المعلم ليست مجالا «كيفيا» ولا عمل مستقلا بذاته لا يحتاج الى عوامل مساعدة، انها برنامج مرسوم يتدرج من البسيط الى المركب، ومن الضروري الى الكمالي، وهذا يحتاج الى زمن، ولا يستكمل اسبابه الا بعد تقدم الجماعة خطوات واسعة في تحضرها30 ثم أن مهمة المعلم لا تنحصر في تعليم هذا الجانب او ذاك فحسب من أمور المعرفة، بل تمتد لكي تشمل الجوانب كافة، أي ما هو علمي وما هو عملي في الوقت نفسه (31) .

وهو يعتبر التعليم من (جملة الصنائع) باعتباره فنا لابد من الالمام بأصوله وقواعده لكي يتمكن المعلم الذي يمارسه من تأدية مهمته على الوجه المطلوب (32) أنه يؤكد (مهنية) المعلم وأن يمارسه ليس مجرد علم فحسب وأنما هو (منهج) للتوصيل يختلف فيه هذا المعلم عن ذاك، ويتباين هذا الجيل عن ذاك (33) .

وابن خلدون يعرف كيف يرتبط بين ما يبلغه فن التعليم من مستوى وبين البيئة الحضارية التي ينشط فيها. فالعلاقة بينهما طردية، وحيثما بلغت جماعة ما شأوا متقدم في المضمار الحضاري حيثما تقدم معها فن التعليم ونفق سوقه (34) . أنه يجد فرصته للحذق والاكتمال في البيئة المتحضرة بسبب ما تتيحه من مجالات أوسع للمناظرة والجدل والحوار في مناحي العلوم، وتسمح به من الاحتكاك والاتصال والاخذ والعطاء بين الطرائق والمناهج هنالك حيث يتألق المعلم وحيث يجد طلبة المعلم مبتغاهم فيمن يعرف كيف يوصل اليهم المعرفة التي يطلبونها. (35)

والتعليم ليس تحفيظا كما أن التعلم ليس حفظا وإنما هو على جانبيه إعمال للقدرات العقلية وكسب لزمن من أجل التمكن من المعرف في هذا الحقل او ذاك (36) . إن غياب المعلم الجيد يحرم الطلبة من الفرص المواتية للتعلم، كما يحرم الجماعات من كسب عامل الزمن في الصراع من أجل المعرفة (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت