ما سبق يطرح السؤال/ الإشكالية - في ذكرى وفاة الإمام المئوية- وهو: لماذا الإصلاح الديني؟ هل لأن الغرب والولايات المتحدة يُطالب به اليوم؟ والجواب بالتأكيد: لا، بل لأننا نحن بحاجة إليه؛ فالمسألة لا ترتبط بمشروعية الحديث عن الإصلاح الديني، ولكن ترتبط بمعالم الإصلاح المطلوب واتجاهاته وأسسه، وهو -برأيي- ما ميز مدرسة الإمام مما جعلها تحتفظ ببريقها على الرغم من مائة عام من العزلة؛ فالإمام أراد الإصلاح الديني ليعيد الحيوية والفاعلية والعطاء للعقل المسلم بعد أن تخدّر قروناً كاملة أُغلق عملياً فيها باب الاجتهاد والتجديد، وتحول الدين من طاقة حيوية دافعة إلى تقاليد تعبّدية، وأوهام فكرية وجمود فقهي وتكلّس فكري نتج عنه عصور من الانحطاط والتراجع، ليجد المسلم نفسه أمام الاستعمار وهو مسلّح بأحدث الوسائل الصناعية والتقنية وتسنده قوة معرفية وفكرية وثقافية متحرّرة ودافعة إلى الإبداع والتجديد، وهو ما جعل المسلم -وما زال- في تناقض شديد بين مقتضيات العصر والعقل والتحرّر، وبين ما كان يُمارس أمامه باسم الدين من تقاليد ومن جمود؛ فمدرسة الإمام تقوم على فك الشيفرة التي تسمح بدخول المسلم إلى العصر واستحقاقاته ومتطلباته، وهو قادر على الاحتفاظ بإيمانه ويقينه بالله، وهذا يستدعي بالطبع عقلاً نقدياً مزدوجاً؛ يمتلك أدوات غربلة الحداثة والحضارة الغربية، ومناقشة أصولها المعرفية والفلسفية خاصة ما يرتبط بها من طبيعة الدين ودوره السياسي والاجتماعي، وفي نفس الوقت مراجعة الموروث الفكري والثقافي والتخلص من كل المعوّقات التي تحول بين الإسلام وبين استعادة قدرته على تحريك المسلمين إلى الأمام، لكن مع الاحتفاظ بقدسية النصوص الربانية وتأثيرها.
لقد اعتمد الإمام للوصول إلى المطالب السابقة -للإصلاح والتجديد- أسساً رئيسة أبرزها بناء النظرية المعرفية الإسلامية على قاعدة الجمع بين العقل والإحساس والوحي وفك الاشتباك بينها ليؤدي كل منها وظيفته في تقديم المعرفة الصحيحة للإسلام، فالعقل المسدّد (الفكر البشري) بحاجة إلى العقل المؤيد (الوحي) ليتمكن من اكتشاف الطريق الصحيح للإعمار والتحضّر، والوجدان قادر على توفير البنية النفسية التي تدفع الإنسان من حالة الكلالة إلى مرحلة الفعالية والعطاء، وهنا تكمن أهمية العقيدة والدين، واللّذيْن لا غنى عنهما لبناء الأساس الأخلاقي للمجتمع على النقيض مما كانت تقول به النظرية الوضعية الغربية.
و إذا أسقطنا ما سبق على كتاب الإمام"رسالة التوحيد"سنجد أن الإمام نقل الحديث في"موضوع التوحيد"مرة أخرى من الجدل بين الفرق والطوائف الإسلامية حول أسماء الله وصفاته والاختلافات الميتافيزيقية المرتبطة بذلك إلى تفعيل التوحيد في محاربة الأوهام والخرافات والجمود والتقليد، فقد عنى التوحيد عند الإمام -كما يرى المفكر فهمي جدعان- طاقة محرّرة من الطراز الأول؛ فالشهادة بدلالتها الكبرى هي تجنب كل أنواع الفتنة والضلال بتطهير العقول من الخرافات والأوهام والعقائد الفاسدة واعتبار الكرامة الإنسانية كقيمة عليا لا تقبل التنازل أو التبديد، كما أن التوحيد هو رد الحرية إلى الإنسان وإطلاق أرادته من القيود، فهو مساواة بين البشر بعيداً عن الأنساب والألوان والطوائف والولاءات، وأخيراً يمثل التوحيد بالنسبة للإمام حرباً على التقليد والجمود وإيقاظاً للفكر الإنساني ولطاقات العقل وملكاته.
الحديث عن مدرسة الإمام ذو شجون ومتشعب، ويدفعنا في هذه الفترة التي تتعالى فيها الأصوات بضرورة الإصلاح والتجديد أن نعيد قراءة مدرسته ومعالم مشروعه الإصلاحي بموضوعيّة ونقتنص منه ما ينفعنا اليوم في مواجهة التحديات الجسام التي تحيط بنا!