الفقرة الأولى: تقرر الوثيقة أن دين الإسلام هو دين العدل، ومقتضى العدل التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، ويخطئ على الإسلام من يطلق أنه دين المساواة دون قيد، حيث إن المساواة تقتضي أحياناً التسوية بين المختلفين وهذه حقيقة الظلم، ومن أراد بالمساواة العدل؛ فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ، ولم يأت حرف واحد من القرآن يأمر بالمساواة بإطلاق، وإنما جاء الأمر بالعدل قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فأحكام الشريعة قائمة على أساس العدل؛ فتسوي حين تكون المساواة هي العدل، وتفرّق حين يكون التفريق هو العدل، قال تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) ، أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام؛ لذا فإن الإسلام يقيم الحياة البشرية والعلائق الإنسانية على العدل كحد أدنى، فالعدل مطلوب من كل أحد مع كل أحد في كل حال، قال تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .
الفقرة الثانية في هذا الباب: في مجال العلائق بين البشر. تعتبر الجاهلية الغربية المعاصرة الفردية قيمة أساسية، والنتيجة الطبيعية والمنطقية لذلك هو التسليم بأن الأصل في العلاقات بين البشر تقوم على الصراع والتغالب لا على التعاون والتعاضد، وعلى الأنانية والأثرة لا على البذل والإيثار، وهذه ثمرة الانحراف عن منهج الله، فصراع الحقوق السائد عالمياً بين الرجل والمرأة هو نتاج طبيعي للموروث التاريخي والثقافي الغربي بجذوره الميثولوجية (الدينية) الذي تقبل أن فكرة العداوة بين الجنسين أزلية وأن المرأة هي سبب الخطيئة الأولى، وهذا الموروث ربما التقى مع بعض الثقافات الأخرى، ولكنه بالتأكيد لا ينتمي إلى شريعة الإسلام ولا إلى ثقافة المسلمين؛ فالحقوق عند المسلمين لم يقرها الرجل ولا المرأة إنما قررها الله اللطيف الخبير.
وفي باب آخر من هذه الوثيقة: تحت عنوان"أصول شرعية في حقوق المرأة وواجباتها"تكلمت الوثيقة عن عدد من النقاط كان منها: التأكيد على موضوع الأسرة وعلى موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة وأنها علاقة تكاملية وليست تماثلية، وقالت في بند من بنودها:"حفظت الشريعة الإسلامية -المراعية للعدل- أن للمرأة حقوقاً في المجتمع تفوق في الأهمية الحقوق التي تضمنتها وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة القائمة على أساس المساواة التماثلية وتغفل الجاهلية المعاصرة هذه الحقوق ولا تبالي بانتهاكها، مثل: حق المرأة في الزواج حسب الشريعة الإسلامية وأيضاً حقها في الأمومة وحقها في أن يكون لها بيت تكون ربته ويعتبر مملكتها الصغيرة، حيث يتيح لها الفرصة الكاملة في ممارسة وظائفها الطبيعية الملائمة لفطرتها، ولذا فإن أي قانون أو مجتمع يحد من فرص المرأة في الزواج يعتبر منتهكاً لحقوقها ظالماً لها."
ومعلومٌ أن الفكر النسوي ينتهك هذه الحقوق (حق الزواج وحق الأمومة) ، فاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة تدعو الدولة الموقعة أن تدعم تعليم وعمل المرأة ولو على حساب الزواج، وتحارب الزواج المبكر، هذا فضلاً عن موقف التيار النسوي المتطرف المطالب بإلغاء قدسية الزواج!.
وتكلمت الوثيقة أيضاً في باب آخر تحت عنوان رؤى الوثيقة عن نقاط عدة، منها: أن الإسلام بعد تقرير المساواة بين الرجل والمرأة في معنى الإنسانية والكرامة البشرية والحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك والمساواة في عموم الدين و التشريع، يفرق بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق والواجبات تبعاً للاختلاف الطبيعي الحاصل بينهما في المهام والأهداف والاختلاف في الطبائع التي جبل عليها كل منهما ليؤدي بها وظيفته الأساسية، وهنا تحدث الضجة الكبرى التي تثيرها المؤتمرات الكبرى الخاصة بالمرأة وروادها، و يثيرها المنتسبون للحركة النسوية العالمية ومقلدوها في العالم الإسلامي المروجون لفكرة المساواة التماثلية بين الجنسين.
إن المساواة في معنى الإنسانية ومقتضياتها أمر طبعي ومطلب عادل؛ فالمرأة والرجل هما شقا الإنسانية، والإسلام قرر ذلك بصورة قطعية لا لبس فيها، أما المساواة في وظائف الحياة وطرائقها فكيف يمكن تنفيذها؟ هل في وسع هذه المؤتمرات والحركات النسوية ومنتسبيها من الرجال والنساء بقراراتهم واجتماعاتهم أن يبدلوا طبائع الأشياء؟ وأن يغيروا طبيعة الفطرة البشرية؟
إن مزية الإسلام الكبرى أنه دين ونظام واقعي يحكم في مسألة الرجل والمرأة على طريقته الواقعية المدركة لفطرة البشر؛ فيسوي بينهما حين تكون التسوية هي منطق الفطرة الصحيحة، ويفرق بينهما حين يكون التفريق هو منطق الفطرة الصحيحة، قال تعالى: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) .