ولا يعني هذا أن التاريخ يفرق هداياه، أو يوزع أمجاده لأي كان، كما تنشر الشمس أشعتها حينما تؤذن بالشروق، لكن التاريخ كتلة من السنن والنواميس الإلهية التي تتحكم في توجيه الأفراد والمجتمعات على السواء. وهذه السنن والقوانين لا بد من استيعابها، والسير على هداها لمن أراد النهوض والريادة الحضارية. أما الذين لا يحترمونها ولا يستوعبون عبرها ومراميها؛ فإن حركتهم تكون حركة مضطربة لا يحكمها ضابط ولا هدف؛ مما يؤدي إلى مصادمة السنن الهادية إلى البناء والدخول في فترة الخمول. و"من عادة التاريخ ألا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في نومها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبار عنيد"20
ولكي يخرج المسلمون مما هم عليه الآن من سبات حضاري وخذلان لا بد أن يستوعبوا سنن الله الثابتة في الكون التي يخضع لها الأفراد والجماعات؛ لأنهم بهذا الاستيعاب فقط يمكن أن تكون حركتهم في التاريخ حركة ثابتة وهادفة بدل أن تبقى كما هي عليه الآن حركة عشوائية تحكمها الصدف، وتوجهها الأهواء الفردية والنزوات الشخصية."فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا، ولعل أعظم زيفنا وتنكبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، ولعل أكبر أخطاء القادة أنهم يسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية، ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه؛ حيث يسير خبط عشواء"21
ويرى ابن نبي في هذا الصدد أن كل الحضارات الإنسانية خضعت لنفس هذا القانون الدوري المتحكم الذي تخضع له الحضارة الإسلامية بدورها. 22
وختاما لا بد من الإشارة إلى جملة من الملاحظات التي تتعلق بفكر مالك بن نبي.
أولا: على الرغم من اهتمام ابن نبي بقضايا الحضارة ومشكلاتها فإن ذلك لم يجعله ينحو بتحليلاته منحى التجريد والنظر البعيدين عن هموم الأمة الإسلامية وقضاياها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية؛ بل ظل على الدوام ملتصقا بواقع الأمة، وراصدا لمختلف التحولات التي تطرأ عليها.
ثانيا: تتبُّع مالك بن نبي لواقع الأمة الإسلامية ورصده لمختلف ظواهره لم يجعل فكره يتيه في طلب حلول جزئية أو ترقيعية لمعالجة هذا الواقع؛ بل نفذ ببصيرته ليكشف الخيوط الرابطة لتلك الظواهر، وليضع الحلول المناسبة لمشكلات الأمة، على شكل معادلات رياضية وقوانين دقيقة.
ثالثا: إن أهمية فكر مالك بن نبي وسمو اجتهاداته لم تقابلها بعض الدراسات والبحوث القادرة على النفاذ إلى مقاصدها، وهذا ما يدعو إلى ضرورة بذل المزيد من العناية بهذا الفكر، وذلك بالآتي:
1-إعادة نشر كثير من مؤلفاته والتعريف بها ومدارستها بعمق.
2-وضع مفاتح منهجية لتتبع اجتهادات هذا المفكر في مختلف المجالات، وتعميق النظر في"المفردات"و"المفاهيم"و"المعادلات"و"القوانين"التي أبدعها بقصد استيعابها والبناء عليها، وتوظيفها لتحليل وتوليد الحلول المناسبة لكثير من المشكلات الحضارية المستجدة في واقع الأمة.
اقرأ أيضا:
* ابن خلدون.. سيرة ومسيرة
* الغرب وعلاقته بالآخر
* لماذا نعيد طرح السؤال:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"
* حاجة البشرية إلى الرسالة الحضارية لأمتنا الإسلامية
* دراسة حول العلاقة بين الإسلام والتنمية
1 -جودت سعيد:"مذهب ابن آدم الأول"، ص: 14-15.
2-انظر: د.نصر عارف: مقال"هندسة البناء الحضاري عند مالك بن نبي"مجلة الفكر الإسلامي، نشرة تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ملف العدد الحضارة ـ ذوالقعدة 1414هـ أبريل1994م.
3-د. فهمي جدعان:"أسس التقدم عند مفكري الإسلام"، ص: 410.
4-ذكر مالك بن نبي في مذكراته شاهد القرن: الطفل والطالب،"جملة من المفكرين المسلمين وغيرهم الذين كان لهم تأثير فكري في حياته ينظر إلى مذكراته، ترجمة مروان القنواتي، الطبعة 1، 1969، دار الفكر- بيروت."
5-خالد أبو الفتوح"مقال نحو وعي سنني"، مجلة البيان، العدد 89.
6-مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 19-20.
7-مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص: 38، وهذا هو التعريف الحقيقي الذي اختاره مالك بن نبي للحضارة، وليس ما ذهب إليه الدكتور توفيق يوسف الواعي في كتابه"الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية"، حين ادعى أن تعريف الحضارة عند ابن نبي"هو البحث الفكري والبحث الروحي".
الكتاب نفسه، ص: 29، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1408هـ /1988م.
8-مالك بن نبي: تأملات، ص: 168.
9 -عمر كامل مسقاوي: تقديم كتاب"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، ص: 7.
10-مالك بن نبي، شروط النهضة، ص: 51.
11-مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص: 117.
12-مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 42.
13-عمر كامل مسقاوي: في تقديمه لكتاب مالك بن نبي"حديث في البناء الجديد"، ص: 12 و13.
14-مالك بن نبي: إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ص: 48.
15-مالك بن نبي: تأملات، ص: 167.