أما محمود تيمور فيقول: (13) العامية أقدم من الفصحى عهداً وأعرق منها إلى العربية نسباً، وفي مقدورنا لو أتيحت لنا كتابة العامية أن نقول بأننا نكتب العربية ولا مراء. أ هـ وذهب يتلمس الشواذ في قواعد العربية ليلبسها العامية ويقرب بين العامية والفصحى بسوء نية (14) .
أما محمد فريد أبو حديد فيدعي (15) أنه من الهين علينا تقبل العامية لجهودنا فنسمو بآدابها ونودعها ثمار كل مافي شعوبنا من عبقرية فتصبح هي لغتنا، ولاضرر علينا أن تكون لنا لغة ليست هي الفصحى. وممن دعا إلى العامية لويس عوض (16) في كتاب أهداه إلى كريستوفر سكيف الجاسوس الانجليزي. ودعا في ديوانه بلوتلاند عام 1947م إلى كسر رقبة البلاغة العربية. واتخاذ العامية لغة.
وكان للمغرب العربي نصيب من هذه الدعوة، فقد أصبحت اللغة العربية لغة ثانية بعد الفرنسية. وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغربية الفرنسية: (17) إن أول واجب في هذا السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وحرف الناس عنها بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال أفريقيا. أ هـ يقول شحادة الخوري: (18) شعر المستعمر باستحالة اقتلاع اللغة العربية من أرض الجزائر وغرس اللغة الفرنسية مكانها، فلجأوا إلى وسيلة مساعدة أخرى وهي الإيحاء لأكبر عدد من أبناء الجزائر بأن اللغة العربية ليست لغة أصيلة في الجزائر وإنما اللغة الأصلية هي البربرية لغة الأمازيغ.. وقد تطوع الفرنسيون لوضع أبجدية لها كيما يمكن كتابتها. أ هـ.
ونعود إلى الشام ولبنان خاصة فنجد رفائيل نخله اليسوعي يدعو إلى اتخاذ العامية لغة بدلاً من الفصحى في كتابه"اللهجة اللبنانية السورية". بل زاد على ذلك بتدوين كتابه هذا بالحرف اللاتيني ونشرته المطبوعة اليسوعية.
ويقول مارون غصن الخوري: إن كل لغة سائرة إلى الفناء.. لأن الشعب كله متعلق كل التعلق بلغة آبائه وأجداده، وماهذه اللغة إلا العامية. أ هـ وأتبع ذلك بإصدار كتاب بالعامية عنوانه"في متلو هالكتاب"عام 1930م.
ويتمنى مارون غصن أن يرى عاملاً عسكرياً سياسياً يفرض اللغة العامية (21) .
أما المتسمي بأدونيس فيقول: إنني عدو للفصحى ذاتها وأعتبر التمسك بها سبباً أساسياً ومباشراً لما يبدو من مظاهر التخلف عن الشعوب الغربية بلا استثناء، أنا على يقين تام من أن دعوتي إلى الحرف اللاتيني واللهجات العامية سوف تنتصر لا محالة وستأخذ بها جميع شعوب آسية وأفريقية. أ هـ.
أما يوسف الخال فيدعو إلى ذلك ويرى أن العامية تستطيع أن تنتج أدباً عظيماً (23) .
أساليب الدعوة إلى العامية:
قرأنا آنفاً الدعوة الصريحة لاتخاذ العامية لغة بدل الفصحى ولكن لما استعصى على من دعا إلى ذلك تلمس جمع منهم وآخرون غيرهم طرقاً أخرى تنشر العامية وتغرق بها، ومن طرقهم: دراسات اللهجات العامية، وكان للمستشرقين قصب السبق فقد ذكر أنور الجندي بعضاً منهم. ومنهم: نللينو كتب دراسة عن عامية مصر، وسيانكو فسكي عن عامية المغرب وتونس، وإلياس برازين عن عامية حلب، وليوربال عن عامية الجزائر، ودعا إلى دراسة اللهجات كثيرون منهم: أنيس فريحة ألقى محاضرات في مراكز اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية عن اللهجات وأساليب دراستها عام 1955م وسارعت اللجنة بطباعتها (25) .
ومنهم إبراهيم أنيس الذي ألف كتاب اللهجات العربية، دعا فيه إلى وضع منهج علمي لدراسة هذه اللهجات المتعددة في كافة الأقطار وخاصة مصر.
وفي الأساليب كذلك تشجيع العامية تأليفاً ونشراً. فلم يأت عام 1900م حتى صدرت سبع عشر جريدة ومجلة في مصر (27) عامية. كما تحول المسرح إلى العامية وسماه المنفلوطي لذلك: الملاعب الهزيلة (28) .
وأطلت الحداثة برأسها في الأدب، يقول د-عمر موسى باشا: إن مفهوم الحداثة في الأدب يعني حرية الأديب فيما يختص باستخدام اللغة، وأن للأديب الحرية الكاملة في استخدام اللغة المحلية. ونحن نعترض على إطلاق هذه الحرية مادامت تصدع صرح اللغة العربية (29) .
وأخذت المجلات والجرائد تعنى بالتراث الشعبي وتخصص أبواباً ثابتة له بل وصدرت مجلات خاصة به لكي ينتشر بين الناس ويدون بعد أن كان شفهياً. يقول د- محمد محمد حسين عن هذه الآداب الشعبية: هو امتداد للدعوة إلى استبدال اللهجات المحلية مكان اللغة الفصحى (30) .
يقول أنور الجندي: حاول الداعون بها أن يوجهوا العناية إلى الجمال الفني الذي تمثله الأمثال والقصص والأغاني التي يتداولها العامة، وقد دونوا مالم يكن مدوناً. فلما برزت الدعوة إلى العناية بالفنون الشعبية فتمسح الداعون بهذه الدعوة بين العرب زاعمين أن إهمال هذا اللون من الفنون ترفع عن العناية بالطبقات الفقيرة الكادحة، وما يتصل بها من شؤون أ هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1ـ المجموعة الكاملة لمؤلفات طه حسين علم التربية 290.
2ـ الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي للكتاني جـ2 758 والاتجاهات الوطنية في الشعر العربي المعاصر لمحمد محمد حسين جـ2 359.
3ـ تيارات مسمومة ومذاهب هدامة لأنور الجندي 127، الاتجاهات الوطنية جـ2 360 لماذا يزيفون التاريخ لاسماعيل الكيلاني 6-3-317.