فهرس الكتاب

الصفحة 14100 من 27364

في الواقع إنهم حرصوا على تمييز الأديان المدعوّة بأديان الوحي عن الأديان الآسيوية المتروكة لبعض الاختصاصيين الاستشراقيين، وعن الأديان الأفريقية التي يهتم بها عادة علماء الاتنوغرافيا أو دراسة خصائص الأعراق والشعوب. كما أن هذا التمييز يزداد وضوحاً عندما يتعلّق الأمر بالموضوعات الكبرى للاعتقاد المدعو عادة بالإيمان، وهو موضوع محصور بعلماء اللاهوت فيما يخص أديان الكتاب، ولكنه أصبح عادياً مبتذلاً مع الثقافة بالمعنى الاتنوغرافي للكلمة، وذلك فيما يخص المجتمعات التي لا علاقة لها بالثقافة الأوروبية والمدعوة أيضاً بالمجتمعات التي"لا كتابة لها"، والتي لا تمتلك تاريخاً محورياً ذا نقطة أساسية تفصل الما قبل عن الما بعد، وحتى داخل أديان الوحي نفسها نلاحظ أنهم يخصصون للإسلام مكانة هجينة تدعو للاستغراب، فهم تارة يلحقونه بالأديان الآسيوية الكبرى ويصبح عندئذ محصوراً بدائرة المستشرقين، وتارة يلحقونه بالموقع الذي يحدده علماء الاتنوغرافيا للمجتمعات التي يدرسونها، ولكن بما أنه أحد أديان الكتاب، وبما أنه خاض معارك جدالية في القرون الوسطى مع المسيحية واليهودية، فإنه يحظى أيضاً ببعض الدراسات الخاصة باللاهوت المقارن.

منذ انعقاد المجتمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني، ظهرت أدبيات غزيرة ومكرورة عن موضوع الإسلام في الغرب، وقد غذَّاها الحوار الإسلامي -المسيحي وأحياناً نادرة الإسلامي- اليهودي- المسيحي، ولكن على الرغم من كل هذه الأدبيات، فإن التاريخ المقارن للأنظمة اللاهوتية الثلاثة لم يحقق تقدماً قادراً على تحريرنا من الموضوعاتية القروسطية للنَبْذ أو الاستبعاد المتبادل.

فيما وراء الموروثات اللاهوتية التي يستمرون في تعليمها داخل إطار المنظور الأرثوذكسي الخاص بكل طائفة دينية، فإنه يمكننا أن نعمم الملاحظة السابقة لكي تشتمل تاريخ الأديان، ثم بشكل أخص فلسفة الدين.

أقول ذلك ونحن نعلم أن فلسفة الدين لا تحظى باهتمام كبير بسبب الحواجز الابستمولوجية التي تستمر في فصل الفلسفة عن اللاهوت.

بقي علينا أن ندرس حالة اليهودية والمسيحية. كانت المسيحية تحلم منذ زمن طويل بضمّ اليهودية إليها عن طريق بلورة تركيبة يهودية - مسيحية تدل على تراث متواصل ومشترك، ولكن التراث اليهودي يرفض بالطبع هذا الاستلحاق، ونلاحظ أن الديانة اليهودية تسعى منذ تأسيس دولة إسرائيل للتوكيد على خصوصيتها إزاء الجهود الاستلحاقية التي تبذلها المسيحية. فالتركيبة التوفيقية المدعوة باليهودية - المسيحية تبدو فعالة على المستوى السياسي، ولكنها مرفوضة كلياً على المستوى اللاهوتي والثقافي، ونلاحظ أنه منذ انعقاد المجمع الكنسي للفاتيكان الثاني ونشره لقراراته اللاهوتية الشهيرة، فإنه هناك إرادة مشتركة قليلاً أو كثيراً من أجل العثور على استمرارية تواصلية تمتد من اليهودية إلى المسيحية وذلك على كافة الأصعدة من روحانية، وتاريخية، وثقافية، وعقائدية، ولكن نلاحظ أيضاً ظاهرة أخرى تدعو للدهشة والاستغراب: وهي الرغبة المشتركة لليهود والمسيحيين في استبعاد الإسلام ليس فقط لاهوتياً، وإنما أيضاً ثقافياً وسياسياً، ونلاحظ أيضاً أن هذا الاستبعاد يُطبَّق أيضاً على كيفية تقسيم تاريخ العالم المتوسطي، فهنا أيضاً نلاحظ أن التراث الجامعي"العلماني"يقوي الرؤيا التقليدية لعالم اللاهوت المسيحي، دون أن يستخدم بطبيعة الحال البواعث نفسها والتفسيرات اللاهوتية نفسها، فجنوب المتوسط وشرقه تركا للمستشرقين المختصين باللغة العربية والفارسية والتركية بشكل خاص، وأما الشمال والغرب فعلى العكس ملحقان بأوروبا المسيحية واللاتينية سابقاً ثم الحديثة حالياً، وأما الجنوب والشرق فيقيا بمنأى عن هذه الحداثة. إن لهذا التقسيم انعكاساته على وضع الدراسات التاريخية المتعلقة بكلتا الضفتين، والأكثر أهمية من ذلك هو أن حروب التحرير الوطنية وحركات المعارضة السياسية التي تستلهم الأصولية الراديكالية ساهمتا في توليد مخيالين سياسيين للاستبعاد المتبادل بين القطبين الإيديولوجيين المدعوّين"الإسلام"، و"الغرب".

لنتوقف الآن قليلاً عند حالة المسيحية بكل تجلياتها الكاثوليكية، والبروتستانتية، والأرثوذكسية، والإنكاليكانية. نلاحظ أنها تحظى بإقبال الباحثين العلميين على دراستها بكل طيبة خاطر وبنوع من التفضيل الضمني أو الصريح لها على غيرها، فالمؤمنون الغربيون يستخدمون موهبتهم ومعرفتهم وهيبتهم الفكرية لكي يكرّسوا تفوق المسيحية على جميع الأديان الأخرى، ولكي يثبتوا فرادتها وقدرتها على التأقلم مع الحداثة. وأما العلمانيون الذين يعيشون على الرغم من كل شيء في مجتمعات متأثرة جداً بالفكر والثقافة المسيحية، فإنهم يقبلون ضمنياً بالمحافظة على امتيازات هذا الدين ومعاملته معاملة خاصة، ولذلك فلا يطبقون عليه الاشكاليات الاتنوغرافية نفسها أو الأحكام السياسية السلبية نفسها التي يطبقونها على الأديان الأخرى)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت