فهرس الكتاب
ولن اذهب بك بعيدا فأمامي الآن نموذجان شاهدان أولهما من المغرب العربي وثانيهما? من المشرق.
هذا المقطع الأول من قصيدة بعنوان ? أنت انت عروس البر والبحر- جاء فيه ?
"ت . ش . م ."
تتشمسين في القيلولة يبلّلك العطش
تفلتين من اللفح.. تهربين من النعاس.. تغالبين الإغماء..
ترشين الوجه بماء الزهر
تدخلين في الظل
تحملين الوزر على الظهر..تختفين في الشعاب..
يجرّب الوطن في أبعاد عينيك دفء الولوج
وحفيف الانسياب" (3) "
وهذا مقطع من قصيدة بعنوان ?"محاولة في تأويل عيني حبيبتي"?
"آخذ قبلة عينيك واقرأ ?"
خيزران ويعافير وبقل ونخيل أنثوي
ومهاتان وينبوع ورمل
وغزال يستحم
آخذا كنت و أكتب ?
سيسبان فرعوني وغيد يتهادين
وولدان ينادون ?تعالين إلينا
ومواعيد هوى تمّت ? وأخرى ستتم" (4) "
فهل بمثل هذا الكلام الذي يدعي أصحابه مصرّين على أنه شعر (؟؟) يمكن تبليغ قضية ما إلى الجمهور لتحريك عواطفه وكسب تأييده ونصرته ؟ وهل بمثل هذه الرمزية المبهمة التي لا يكاد يفهمها حتى أصحابها يفرض الشعر سلطانه على الوجدان؟ والجواب كما جاء على لسان الشاعر كمال رشيد ?
وكما يموت الصديق في زمني مات القصيد ولامس الوحلا
تجري الأمور كما لو انطفأت عين البصيرة ورأيه اعتلاّ
إلا أن أمانة البحث وموضوعية التحليل تفرض علينا أن نبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة . فنجد أن هناك أسباب ذاتية وأخرى خارجية ?
الأسباب الذاتية ...
ونرجعها أساسا إلى ?
* هزال الثقافة الشعرية المتينة والأصيلة والواسعة لدى الشاعر.
* عجز فني مفاده الضعف التكاملي لدى الفنان الذي ستتحول المعاني على يديه إلى سحب ضبابية وممارسات غيبية لا يعرف حتى قلبه معناها. (5)
الأسباب الخارجية ...
من يتابع شعراء الغموض يجد أن معظمهم أبتدأ"كلاسيكيا"ثم مال إلى الحداثة والتجديد فالغموض بالنسبة لهم لا يعدو أن يكون مسايرة للموضة الجديدة وتقليدا لثورات شكلية في أدب الغرب . وهذا ما يبرر سقوط العديد من شعراء الغموض والتجديد على دروب الحداثة الأصيلة التي يجب أن تنبع من واقع عربي إسلامي وليس مجاراة لصراعات غربية لا تمت لواقعنا بأي صلة. (6) .
ثم هناك عوامل الواقع الموضوعي المعاش الذي يرتكس فيه الشاعر والمتسم عموما بالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتسلط السياسي .. هذه العوامل تصطدم بحساسية الفنان فتجبره على اللجوء إلى الرمز والإيحاء هروبا من المباشرة.
وههنا أقف لأطرح سؤالا يشكل صلب البحث ? هل سلك الشعراء الإسلاميون هذا المنحى في كتاباتهم ؟
ميزة الشعر الإسلامي ... لقد تميز الشعر الإسلامي منذ العهود الأولى بسمو الموضوعات التي عالجها ونبل الغاية التي قصد إليها ? فموضوعاته هي الإسلام ودعوته. وغايته إخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن ضيق الكفر إلى سعة الإسلام (7) .
وكان الشعر عبر رحلته الإسلامية يقود معارك الحرية ضد الاحتلال الأجنبي ويوقد نيران الحماس في الجماهير التي تنطلق بين الحين والحين لتدافع عن وجودها المادي والأدبي. (8) .
ولا ننسى هنا شهادة العلامة بن خلدون في مقدمته الرائعة حول الشعر الإسلامي عموما حيث يقول?"إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهليين في منثورهم ومنظومهم ... والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام من القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها. فكان كلامهم في نظمهم ومنثورهم احسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك وارصف مبنى واعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي."
القوة والوضوح في الشعر الإسلامي ...
إن المتصفح للشعر الإسلامي القديم منه والحديث يلمس فيه القوة والوضوح في المبنى والمعنى ... بعيدا عن كل إبهام وغموض وذلك راجع- في تقديري- إلى اعتبارين ?
كونه ? من باب العمل الصالح
ذلك أن الذين رضوا الحق والصدق بتبنيهم الفكرة الإسلامية لم يرضوا أبدا أن يغطوا أفكارهم أو يصبغوا أشعارهم برمزية معقدة بل اتخذوا الوضوح منهاجا في كل ما يكتبون يقينا منهم أن ما يفعلونه هو من"العبادة"ومن باب العمل الصالح الذي يتقربون به إلى الله مولاهم الحق. والعبادة في إسلامنا الحنيف- كما نعلم- بعيدة عن الطلاسم والرموز والتعقيد بل هي في غاية الوضوح والجلاء.
والشعراء الإسلاميون- من هذا المنطلق- هم الذين يحيون تحت مظلة الاستثناء في القرآن الكريم ?"... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا..." ( الشعراء 227)
ولنا في أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لحسّان بن ثابت شاعر الإسلام الأول الأسوة الحسنة ?"نافح عنا وروح القدس يؤيدك""اهجم وجبريل معك" (9) .
كونه ? دعوة ...