فهرس الكتاب
تقف الأمة الإسلامية اليوم في مؤخرة ركب الأمم ... ولم يشهد هذا القرن أمة تعرضت لمثل ما تعرضت له الأمة الإسلامية من هزيمة وإذلال. لقد هزم المسلمين وقتلوا وسلبت منهم أوطانهم وثرواتهم، بل وأرواحهم وآمالهم... لقد خُدعوا فاستُعمروا واستُغلوا؛ وفُتنوا في عقيدتهم وأُدخلوا بالقوة أو بالرشوة في أديان أخرى... وقام أعداؤهم من الخارج مستعينين بعملائهم في الداخل فحولوهم إلى علمانيين أو عبيد للغرب وجردوهم من إسلامهم. كل هذا حدث في كل دولة وكل ركن في العالم الإسلامي ، ورغم أن المسلمين كانوا ضحايا الظلم والعدوان في كل ناحية ، فقد ساهمت كل الأمم في تشويه صورتهم وتلطيخ سمعتهم ، إن صفحتهم هي أشد الصفحات سوادا في عالم اليوم... وقد دأبت وسائل الإعلام في أيامنا هذه على تصوير"المسلم"على أنه عدواني ، مخرب ، مخادع ، مستغل ، قاس ، متوحش ، متمرد ، إرهابي ، همجي ، متعصب ، متحجر الفكر ، متخلف ، سقيم الرأي... وقد أصبح لذلك محل الكراهية والاحتقار من غير المسلمين جميعهم سواء أكانوا متقدمين أم متخلفين، رأسماليين أم ماركسيين ، شرقيين أم غربيين، متحضرين أم همجيين... ولا يعرفون عن العالم الإسلامي إلا ما فيه من صراعات وانقسامات واضطرابات وتناقضات وحروب تهدد السلام العالمي، وإلا ما فيه من ثراء فاحش وفقر مدقع ، ومجاعات وأمراض وبائية ، إن"العالم الإسلامي"في نظر الناس اليوم هو"الرجل المريض" [المنتظَر موته] ، ويريد الأعداء أن يجعلوا العالم يقتنع بأن"دين الإسلام"يقف وراء كل هذه الشرور... والأمر الذي يجعل هذه الهزيمة وهذا الإذلال والتشويه أمورا لا تطاق أبداً أن تعداد هذه الأمة يفوق المليار ، وأنها تملك أوسع رقعة من الأرض المتصلة وأغناها ، وأن إمكانياتها من الموارد البشرية والمادية و الاستراتيجية أعظم من غيرها ، وأن عقيدتها"الإسلام"دين متكامل وصالح ، وإيجابي وواقعي.
ثانيا: الأعراض الرئيسية للمرض
1.على الصعيد السياسي:
"الأمة"منقسمة على نفسها... لقد نجحت القوى الاستعمارية في تفتيت"الأمة"إلى نحو خمسين وحدة سياسية أو أكثر ، وجعلت كلا منها عدوا للأخرى. وقد أقيمت الحدود بين الدول الإسلامية بحيث تخلق خلافات دائمة بين كل دولة والدول المجاورة لها.
والأعداء في مؤامراتهم يستغلون باستمرار مناطق الخلاف هذه لإثارة أسباب التنافر والعداوة... أما داخلياً، فإن كل دولة إسلامية منقسمة بدورها على نفسها ، لا وئام بين عناصر شعبها ، وتجد من بينها مجموعة معينة وضع السادة المستعمرون السلطات في يدها... وليس هناك دولة أعطيت الوقت أو السلام أو الموارد اللازمة لتحقيق التكامل بين أبناء شعبها وتكوّن منهم وحدة واحدة ؛ ولم يسمح لأي دولتين أن تتحدا لتكونا معا وحدة أكبر... ولكي يصبح الوضع أكثر سوءاً استقدم العدو عناصر أجنبية إلى العالم الإسلامي كي يضمن وجود صراع مستمر بينهم وبين أهل البلد ؛ أو عمل على إدخال بعض أهل البلد في المسيحية الغربية التي تجعلهم بالضرورة أجانب بالنسبة إلى مواطنيهم المسلمين ؛ أو دس بين غير المسلمين من المواطنين فكرة الشعور بشخصية متميزة مما يضعهم في مواجهة مع المسلمين . وأخيرا، خلق العدو كيانات"أجنبية"داخل جسم الأمة وجعل منها دولاً معادية بهدف توجيه طاقات المسلمين بعيداً عن البناء واستنزافها في حروب لا طائل وراءها ، أو لتكون قاعدة يستخدمها الاستعمار إذا ما قرر أن يحتل تلك البلاد ثانية من أجل مصالح القوى الاستعمارية الاقتصادية و الاستراتيجية... وليس من بين الدول الإسلامية دولة تشعر بالأمن الداخلي ولا بالأمن الخارجي . إن كل حكومات الدول الإسلامية تنفق الجزء الأكبر من مواردها وطاقاتها لتأمين قوتها في الداخل وسلامتها من الخارج ، ولكن دون فائدة.
قامت الإدارة الاستعمارية بتحطيم كافة المؤسسات السياسية في كل بلد على امتداد العالم الإسلامي كله باستثناء عدد قليل من الأقطار وجد العدو أن حكامها على استعداد للتعاون معه... وحين حان أوان انسحاب الإدارات الاستعمارية عهدت بالسلطة إلى"الصفوة"من أهل البلد ممن كان قد سبق تعبيدهم وصبغهم بالصبغة الغربية. أما القوة الحقيقية فقد بقيت في أيدي العسكريين وحدهم ، فعَدَوْا على السلطة واغتصبوها في أول فرصة سنحت ... إن المسلمين - في أغلب الحالات - يحكمهم العسكر وذلك لخلو مجتمعاتهم من التشكيلات السياسية القادرة على إدارة جهاز الحكم ، أو على تحريك الجماهير ودفعها إلى المقاومة أو على قيادتها للقيام بعمل سياسي بناء ، أو حتى على العمل في تعاون وذلك أضعف الإيمان.
2-على الصعيد الاقتصادي: