فهرس الكتاب
وأصبح كل شيء إسلامي هدفاً للهجوم ... سواء على أيدي الاستعماريين مباشرة أو على أيدي أدواتهم من أهل البلاد ... ولم ينج من هذا الهجوم حتى النص القرآني ، أو صدق الرسول صلى الله عليه وسلموسنته ، أو كمال"الشريعة"، أو أمجاد إنجازات المسلمين في ميادين الثقافة والحضارة... كان الهدف هو غرس الشك في ثقة المسلم بنفسه وبأمته وبعقيدته وسلفه الصالح وذلك لتدمير وعيه الإسلامي وإفساد شخصيته الإسلامية وجعله نتيجة لذلك أكثر خضوعاً تعوزه القدرة الروحية اللازمة للمقاومة. وعوضاً عن ذلك ملأ الاستعماريون وأدواتهم حياة المسلم اليومية بما يصبغه بصبغة الثقافة الغربية... فالصحف والكتب والمجلات والإذاعة المسموعة والسينما والمسرح والمواد المسجلة ولوحات الإعلانات واللافتات الضوئية ، كلها تمطره يومياً بوابل من تلك المؤامرات. لقد صارت الحكومات الإسلامية تفتخر بما لديها من شوارع واسعة في عواصمها مرصعة بالعمارات ذات الشقق أو المكاتب الفخمة على الطراز الغربي ، وذلك دون أن يشعروا بالخجل من الفساد السياسي والانحطاط الخلقي الذي ملأ مدنهم وقراهم... صارت العلية من المستغربين يترددون على الصالات العامة ليشاهدوا ويستمعوا إلى فيلم أو"أوبرا"أو حفلة موسيقية أو"دراما"، على حين يقرأ عنها أبناؤهم وبناتهم في المدارس والكليات العَلمانية أو التبشيرية دون أن يدركوا تناقض كل هذا مع كل ما يفكرون فيه أو يؤدونه... فأولئك الذين أكملوا"تغريب"أنفسهم من بينهم وقفوا في غرابة ضد بيئتهم وأرضيتهم الإسلامية ... أما الثقافة الإسلامية المتكاملة ووحدة النهج الإسلامي للحياة فقد تحطمت في ذواتهم، وفي فكرهم وفي عملهم، وفي بيوتهم وعائلاتهم... وبكل وقاحة أُدخلت المؤسسات والتقاليد الاجتماعية الغربية... فبدلا من أن تسمو النساء المسلمات بأنفسهم إلى ذرى الفضيلة والفعالية في المجتمع كما أراد لهن الإسلام ، إذ بهن يتهالكن على مظاهر الانحطاط الغربي: العرى المتزايد والتبرج ، والاستهلاك الاقتصادي بهدف التحلل الفردي، أو لانكباب الأناني على الملذات ، والتهرب من الواجبات التي تفرضها مطالب الحياة المتزايدة.
لا أثر في عواصمنا لفن المعمار ولا لفن تخطيط المدن الإسلاميين... مراكزنا الحضرية التي تتورم بسرعة تكرر كل الأخطاء والنقائص التي وقعت فيها المدينة الغربية وهي تتعرض لتجربة الثورة الصناعية قبل قرنين من الزمان، وكأننا أصبحنا عاجزين تماما عن الاستفادة من أخطاء الآخرين... بيوتنا وما فيها من أثاث وتنسيق إنما هي مزيج غريب من كل الأساليب مما يعكس اضطراب أفكارنا عن هويتنا وخصائصنا.
وباختصار، لقد نزل المسلم بنفسه إلى درك الهمجية وذلك على الرغم من ادعائه غير ذلك إلى حد صبغ نفسه بصبغة"الغرب"... لقد أصبحت حياته خليطاً من أساليب شتى و مبتوتة الصلة بماضيه... لقد جعل من نفسه شيئاً لا هو بالإسلامي ولا هو بالغربي ، جعلها"مسخاً ثقافياً"للعصور الحديثة.
ثالثا: مكمن الداء
ليس هناك أدنى ريب في أن مركز الداء ومنبعه في هذه الأمة إنما هو النظام التعليمي السائد... إنه التربة الخصبة لتربية العلل... في المدارس والكليات تولد وتؤيَّد عملية تغريب النفس عن الإسلام: عن تراثه وأسلوبه... إن النظام التعليمي هو المعمل الذي فيه يُعجن ويشكَّل الشباب المسلم ، وهناك يصاغ وعيهم في قالب هو صورة ممسوخة للغرب ، وتفصم الرابطة بين المسلم وماضيه وتوضع في وضع حرج رغبته الطبيعية في التطلع لمعرفة تراث أسلافه... ونتيجة للشكوك التي بثها هذا النظام في أعماق وعيه تصاب بالتبلد رغبته في أن يقف مع أسلافه على أرض مشتركة لينطلق منها نحو بعث لإسلام جديد وملائم للعصر.
1-الوضع الراهن للتعليم في العالم الإسلامي: